السؤال:
فضيلة الشيخ عبدالرحمن السحيم..
قرأت هذه القصة ورأيت أن كاتبها حاد بفكره عن القرآن والسنة في بيان القصة ... أرجو تعليقكم
سكنت حواء مع زوجها آدم عليه السلام أبو البشر الجنة، وأنذرهما الله تبارك وتعالى أن لا يقربا شجرة معينة، ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك.
سيرتها:
خلق حواء:
عندما نقرأ القرآن لا نجد ذكرًا لحواء أبدًا (الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) لم يستعرض خلق حواء كما أفرد لخلق آدم في سبع سور وكل سورة فيها اختلاف . ليس في القرآن شيء عن حواء وأنا كمسلم المفروض أن أسلّم بهذا الكتاب وسبق أن نبّهنا الناس أنه يجب أن لا نقول: كان المفروض أن يكون كذا .. ولماذا لم يقل كذا .. ولماذا قال كذا ؟ وهذه الألفاظ تُخرِج عن مناط الإسلام الصحيح . المسلم الحق يأخذ القرآن نبراسًا ويأخذه مثالًا والقرآن هو الذي يبقى وليس أنا الذي أحدد ماذا يقول ، هذا الكلام غير منضبط
ماذا فعلت الإسرائيليات ؟ إذا وجدوا أنك تشتكي من شيء معين فهم يأخذوك ويصطادوك ويتلقفون من يريد سماع قصة ، وينسجون حكاية حولها والظروف خدمتهم في أن هنالك حديث للرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول فيه جملة - سأذكرها لاحقًا - لو كنت محققًا أو متدبرًا أو واعيًا يجب أن أعرف لماذا قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث وما هو سببه وما هي مناسبته؟ هل كان يتكلم عن خلق آدم وحواء؟ أو كان يستعرض خلق آدم وحواء؟ يجب أن نعرف مناسبة الحديث وسببه ولماذا قاله -صلى الله عليه وسلم-؟.
مناسبة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشجع الرجال على حُسن معاملة النساء ويضرب لهم مثلًا بطبيعة المرأة لا بخلقها فيقول -صلى الله عليه وسلم-:"استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا"أول الحديث يقول استوصوا بالنساء خيرًا، إذن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن طبيعة المرأة تجعل الرجل قد يسيء معاملتها لأنه لا يفهم حقيقة الأمر، فإن طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل مع أنهما من جنس واحد وهذه الطبيعة التي قد لا تعجب الرجل في المرأة هي الميزة وهي قمة الإستقامة. الحديث ليس له علاقة بالخِلقة إنما النقطة التي تكلم فيها الحديث هي التي تكلمت فيها آيات سورة النساء، المضمون العام (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أنت كرهته لأسباب وليس فجأة لكن هذه الأسباب شاء الله لو أنت صبرت سيجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا. آيات الطلاق فيها توصيفات بديعة وفيها مضامين ليس لها علاقة بالطلاق ولكنها تبشر الصابر (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) ما علاقة هذه الآية بالطلاق؟ لكن إذا تدبرتها تجد أن الرجل المستعجل بالطلاق لو صبر يجعل الله تعالى له مخرجًا. إذن مضمون سورة الطلاق هو مضمون حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-. إذا ذهب رجل ليطلق امرأته يقول له الحديث انتبه أنت لم تفهم ، استوصي بالنساء خيرًا المرأة خلِقت من ضلع.
الإسرائيليات دخلت هنا وأخذت هذه الجملة فقط وقالت أن آدم كان نائمًا ثم أُخِذ منه ضلع خلقت منه حواء، من أين جاءوا بهذا الكلام؟ كلمة ضلع أصلها بعيد عن ضلع العظم الذي في جنب الإنسان. العرب قبل القرآن كانوا يسمون المنحني من الأرض ضلعًا هذا قبل القرآن وقبل محمد -صلى الله عليه وسلم- وقبل الحديث. ولما نفهم نحن هذا الأمر ما سُمّيَ هذا الجزء من الجسد ضلعًا إلا لأنه أعوج، كلمة ضلع هي الميزة التي في العظم و غاية استقامة الأعوج أنه أعوج حتى يقوم بمهمته ولولا اعوجاجه لسقط القلب في الحشى وهذا تدبير إلهي . لذا قال تعالى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) (29) (الحجر) . نفخ الروح هو آخر مرحلة في الخلق بعد تمام التسوية. سوّى واستوى لا تطلق إلا على الشيء المنضبط الناضج المكتمل في مهامه. الرسول -صلى الله عليه وسلم- تدرّب على وحي السماء وتعلّم على وحي السماء فأصبحت مفردات كلماته عالية لغوية بليغة فقال: فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه. هذه تذكرنا بواقعة عيسى وآدم عليهما السلام (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) ثم تكلم عن آدم خلقه من تراب. لغة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستقاة من الوحي وتأثير الوحي جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتكلم بلغة القرآن.
القرآن كلام الله تعالى وقال سبحانه: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) فهل هناك مادة اسمها عجل خلق منها الإنسان ؟ حتى لو لم أعرف المجاز والكناية والاستعارة، وفي آية أخرى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ) . نحن لما سمعنا أنا خلقنا من تراب ذهب ذهننا إلى التراب الذي نعرفه لكن لما نسمع من ضعف فهل هناك مادة اسمها ضعف؟ أو عجل؟ هذه الكلمات كناية أو مجاز أو غيرها. لكن نفهم من (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) أنها كناية عن أن الإنسان بطبيعته يحب العجلة فكأنه مخلوق من مادة يوصَف بها. وكذلك كلمة من ضعف وكذلك كلمة من ضلع. من ضعف تساوي في الأداء من عجل تساوي عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ضلع.
أما بخصوص الآية في مطلع سورة النساء، الله تعالى خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (1)
من نفس واحدة (آدم) النفس الواحدة خلق منها آدم باتفاق العلماء وخُلِق منها حواء فهي لم تخلق من آدم وإنما من النفس. للأسف لا أحد ينتبه للتعبير الأدائي فنحن تصورنا أن الله تعالى خلق آدم من نفس ثم خلق حواء من آدم وهذا خطأ. في سورة الأعراف قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِين) الأعراف. وكأني بالله تبارك وتعالى يقول للعالمين افهموا أنه ساعة ما أراد خلق آدم كأنه خلقكم أنتم وساعة ما صوّر آدم كأنه صوّركم أنتم لأنكم أنتم قد تحتاجون لأدوات إذا أردتم أن تفعلوا شيئًا وتحتاجون لزمن لهذا الفعل أما الله تعالى بنصّ القرآن الكريم (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82) (يس) ، فساعة ما يقول أنا سأخلق آدم ليعمل ذرية تكون الذرية قد عملت وانتهى الأمر. الآية صحيحة إلى يوم القيامة (خلقناكم من عهد آدم، وخلق منها -أي من نفس النفس التي خلق منها آدم- خلق زوجها. آدم ليس هو النفس، وإنما هو جاء منها، وكما خُلِق آدم خُلِقت حواء، لأن الله تبارك وتعالى يقول توقيعًا لهذه النقطة(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الذاريات. يعني كلمة شيء إذا كانت موجودة في أي وقت أو زمان أو أي شيء يجب أن يكون فيه زوجان ذكر وأنثى لأن الخلق مثنى. حواء خلقت فورًا مع خلق آدم بدليل (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) . إذن حواء خلقت إما مع آدم جنبًا إلى جنب أو بعد إتمام خلق آدم وعلى أي حال فهي خلقت بنفس الكيفية ولا داعي لتكرار طريقة خلقها في القرآن.
ولتوضيح معنى (مِنْ نَفْسٍ) سنضرب هذا المثال. قال تبارك وتعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ) فهل تعني أنه أخذ قطعة منهم خلق منها محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؟ كلا وإنما هو توقيع مجازي يدل على أنه من طبيعتهم، من جنسهم، من أنفسهم، من نفس الخلقة ، بشر مثلكم لأنكم لستم ملائكة ولو كنتم ملائكة لأنزل عليكم ملكًا رسولًا . كلمة رسالة تعني مرسِل وهو الله تبارك وتعالى ومرسَل وهو محمد -صلى الله عليه وسلم- ومرسَل إليه وهم البشر.
لذلك، حتى لا يحصل لبس عند محاولة فهم الآيات والأحاديث، يجب على الشخص فهم أساليب العربية لذا قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (2) (يوسف) . اللغة العربية شأنها كبير جدًا ولغة القرآن الكريم أكبر . اللغة العربية تختلف عن باقي اللغات ، فالقواعد في اللغات الأخرى يمكن أن يدرسها الإنسان في شهر أو سنة أو أكثر لكن اللغة العربية فليس لدراستها مدة محددة فقد نموت ولا ننتهي من دراسة اللغة العربية وقواعدها كلها . واللغة العربية مسألة ولغة القرآن مسألة أخرى .
الجواب:
بارك الله فيك.
أولًا: يجِب من يَتكلّم أن يَتكلَّم بِعِلْم، أو أن يَسْكُت بِحَزْم ! لأن الكلام هنا يَدخُل في القول على الله بِغير عِلْم، وهو قَرِين الشِّرْك.
ثانيا: لو كان الْمُتَحَدِّث هنا عن خَلْق حواء اعْتَمَد في تفسيره على نُصوص وآثار، لَوَجَب التسليم لِقولِه. إلا أني رأيت أن القول اعتَمَد على فَهْم فَهِمه الكاتب، ولم يَعتمِد على أصول التفسير عند الْمُفَسِرين، كما لم يُعوِّل على كلام الْمُفَسِّرين مِن الْمُتَقدِّمِين والْمُتأخِّرِين. وهُم أئمة في هذا الشأن، ولا شَكّ.
ثالثًا: ما يتعلّق بالإسرائيليات، فليس كُلّ ما وَرَد عن بني إسرائيل يُرَدّ جُملَة وتفصيلا، بل في المسألة تفصيل نَبَّه عليه غير واحِد من أئمة التفسير. قال ابن كثير رحمه الله عن الإسرائيليات: فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما عَلِمْنا صِحّته مما بِأيدينا، مِمَّا يَشْهَد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما عَلِمْنَا كَذِبه مما عندنا مِمَّا يُخَالِفه.
والثالث: ما هو مَسْكُوت عنه، لا مِن هذا القَبِيل، ولا مِن هذا القَبِيل، فلا نُؤمن به ولا نُكَذّبه، وتجوز حكايته لِمَا تَقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تَعود إلى أمْر ِديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك. اهـ. وهذا القسم هو مما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: لا تُصَدِّقُوا أهْل الكِتَاب ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولوا ( آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآية. رواه البخاري.
رابعا: تفسير الصحابي له شأن وأي شأن عند أئمة التفسير، وذلك لأمور:أن الصَّحابة كانوا أهل لُغَة. أنهم عايشوا التَّنْزِيل، فكانوا أدْرَى بمقَاصِدِه. أنهم أبعد الناس عن التكلّف، وعن ادِّعاء العِلْم. أنهم كانوا لا يتحرَّجون من السؤال عَمَّا أشكل عليهم، ولا يَجِدون في أنفسهم حَرَجًا أن يَكِلُوا عِلْم ما لَم يَعْلَموه إلى عالِمِه.
خامسا: ما يتعلّق بِخَلْق حواء من ضِلع آدم قد جاء فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وقَوْل الصحابي حُجَّة على الصحيح، فلا يُتْرَك ولا يُعرَض عنه في التفسير إلاَّ عند مُخالفة النَّصّ، أو عند مُخالفة غيره مِن الصَّحَابة له. وهذا أمْر يَكاد يَكون مَحَلّ اتِّفاق بين الْمُفَسِّرِين، بل وعامة شُرَّاح الحديث على ذلك. ومُخالَفة جماهير علماء الأمة يَحتاج إلى أدلّة واضِحة، وليس مُجرَّد فَهْم.فإن فَهْم السَّلَف للنصوص أدقّ وأعْمَق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكُلّ قَوْل يَنْفَرِد به الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّمِين، ولَم يَسْبِقه إليه أحد منهم، فإنه يَكون خطأ. اهـ. ورحم الله الإمام أحمد حيث كان يقول: إياك أن تَتَكَلَّم في مَسالة ليس لك فيها إمام. وليس فيما أوْرَده مِن استدلالات حُجَّة، وذلك لأنَّ مادَّة"عَجَل"ليست شيئا محسوسا يُركَّب مِنه الإنسان، وإنَّما هي ممَّا يُطبَع ويُجبَل عليه الإنسان. هذا مِن جِهَة. ومِن جِهة ثانية جاء في تفسير قوله تعالى (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) أنّ آدم عليه السلام لَمَّا نُفِخ فيه الرُّوح، فَجَرَى فيه الرُّوح مِن رأسه إلى صَدره فأرَاد أن يَثِب، فَتلا أبو هريرة (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) ، فَلَمَّا جَرَى فيه الرُّوح قَعَد جَالِسًا، فَعَطَس. وجاء نَحْوه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وروى ابن أبي شيبة عن عن سعيد بن جبير في قوله تعالى (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) قال: خُلِق آدم عليه الصلاة والسلام، ثم نُفِخ فيه الرَّوح، وأوَّل مَا نُفِخ في رُكْبَتيه ، فَذَهب يَنْهَض ، فقال: (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) . وجاء مثله عن مجاهد وعِكْرِمة. فهؤلاء مِن أجَلّ أئمة التفسير . وهذا تفسيرهم ، وهو عُمْدَة في بابه . ومثله قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) فإنَّ مادَّة الضعف ظاهرة على الإنسان ، وقد جاء في الحديث:: لَمَّا صَوّر الله آدَم في الْجَنَّة تَرَكَه مَا شَاء الله أن يَتْرُكه فَجَعَل إبْلِيس يُطِيف بِه يَنْظُر مَا هو ، فَلَمَّا رَآه أجْوف عَرَف أنه خُلِق خَلْقا لا يَتَمَالَك . رواه مسلم .
وأمَّا قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فليس فيه مُسْتَمْسَك لاستِدْلاله . لأنّ كلّ آية تُفَسَّر في سِياقِها ، وكُلّ كلمة في القرآن تَدُلّ على معنى في ذاتها ، بل حتى الْحَرْف الواحد يُزاد في موضع ويُنْقَص في موضع له دلالَته في القرآن . فقوله: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: مِن جِنْسِهم لِيَتَمَكَّنُوا مِن مُخَاطَبَتِه وسُؤاله ومُجَالَسَتِه والانْتِفَاع به . كما قال ابن كثير . ولو قال هنا: خَلَق لهم رسولا من أنفسهم لاسْتَقَام له الاسْتِدْلال ، أما أن يكون الرّسُول من أنفُسِهم فهذا ليس فيه دلالة على نَفْي كون حواء خُلِقَتْ من ضلع آدم . وقوله عليه الصلاة والسلام عن المرأة:"خُلِقَتْ من ضلع"، فقد أطْبَق شُرَّاح الحديث على أنَّ مِن معانيه أن حواء خُلِقَتْ في أصل خِلقَتِها مِن ضلع آدم .
سادسا: القرآن يُفسَّر بالقرآن ، ثم بالسُّنَّة ثم بما جاء عن الصحابة والتابعين ، ثم بِلغة العَرَب . روى عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن ابن عباس قولَه: تَفْسِير القُرآن على أرْبَعَة وُجُوه: تَفْسِيرٌ تَعْلَمه العُلَمَاء ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُه العَرَب ، وتَفْسِيرٌ لا يُعْذَر أحَد بِجَهَالَته - يَقُول: مِن الْحَلال والْحَرَام - وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَم تَأويلَه إلاَّ الله ، مَن ادّعَى عِلْمه فهو كَاذِب . قال الزركشي: وهذا تَقسْيِم صَحِيح . فأمَّا الذي تَعْرِفُه العَرَب فهو الذي يُرْجَع فيه إلى لِسَانِهم ، وذلك شَأن اللغَة والإعْرَاب . فأمَّا اللغَة فَعَلَى الْمُفَسِّر مَعْرِفَة مَعَانِيها ومُسَمَّيَات أسْمَائها . اهـ .
إلاَّ أنَّ القَول بِتَفْسِير القُرآن بِلغُة العَرَب لا بُدَّ له مِن قَيد ، وهو أنْ يَجْرِي على أصُول الْمُفُسِّرِين ، وأن لا يَكون نَتِيجَة مُسَارَعَة في تَفْسِير القُرآن بِظَاهِر العَرَبِيَّة . قال القرطبي في مقدِّمة تفسيره: فَمَن لَم يُحْكِم ظَاهِر التَّفْسِير وبَادَر إلى اسْتِنْبَاط الْمَعَاني بِمُجَرَّد فَهْم العَرَبية كَثُر غَلَطُه ، ودَخَل في زُمرَة مَن فَسَّر القُرآن بالرَّأي ، والنَّقْل والسَّمَاع لا بُدّ لَه مِنه في ظَاهِر التَّفْسِير أوَّلًا لِيَتّقِي به مَواضِع الغَلَط ، ثم بعد ذلك يَتَّسِع الفَهْم والاسْتِنْبَاط . اهـ .
وعلى هذا يُحْمَل مَا جَاء عن السَّلَف مِن كَرَاهة تَفْسِير القُرْآن بْمُقْتَضَى اللغَة . قاله الزركشي . وآيات القرآن يأخذ بعضه بِرقاب بعض ، ويُفَهم بعضها بتفسير بعض ، لا أن يُضْرب القرآن بعضه ببعض . فلا يَجوز أن يُفسَّر القرآن الكريم بمقتضى اللغة وحدها ، بل لا بُدّ من تفسير القرآن بالقرآن وبما جاء عن سيد الأنام عليه الصلاة والسلام ، وبما جاء عن السَّلَف ، ولا تُهمَل دلالة اللغة . والله تعالى أعلم .
الشيخ عبد الرحمن السحيم
لا يدعم المستعرض الذي تستخدمه الإطارات المضمنة أو تمت تهيئته حاليًا حتى لا يدعم الإطارات المضمنة. AmRoBaShAh © 2007 شبكة الاسلام للجميع