إذن: فأبو داود استعمل مصطلح"غير محفوظ"لما انفرد به ثقة، وكذا لما خالف، ولما زاد وأطلقه على زيادة مجهول العين وزيادة ضعيف، وعلى تفرد من لا يحتمل تفرده.
هكذا يتبين لنا أن مفهوم"غير محفوظ"أعم عند أبي داود مما نسب إليه الشيخ محمد حوى في رسالته وأعم مما ينسب المتأخرون إليه.
والصواب: أنّ كل ما ليس له أصل متابع أو لم يعرفه أهل الحفظ هو غير محفوظ عنده خالف به ثقة أم غير ثقة - والله أعلم -.
وأما عند الإمام الترمذي:"فقد استعمله بما يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالًا يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء ومن يلتحق بهم" [1] .
وفيما يأتي أمثلة توضح ذلك وتثبته:
1 -المثال الأول: قال الترمذي في الجامع (203) "باب ما جاء في الأذان بالليل":
حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم".قال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأنيسة وأنس وأبي ذر وسمرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد اختلف أهل العلم في الأذان بالليل فقال بعض أهل العلم: إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد، وهو قول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: إذا أذن بليل أعاد، وبه يقول: سفيان الثوري وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر:"أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي إن العبد نام".قال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
قال: وروى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع أن مؤذنًا لعمر أذن بليل فأمره عمر
(1) هذا ما توصل إليه شيخنا الدكتور عداب الحمش في أطروحة الدكتوراه الموسومة: (أقوال الإمام الترمذي في الرجال) وهي نتيجة صحيحة، ولكني وجدت الشيخ قد خالفها وناقضها في أكثر من موضع!، أنظرها ص210.