قال رحمه الله تعالى:[ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها -وهو الجهة- أتريد بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟! فإن أردت بها أمرًا وجوديًا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمرًا عدميًا، فالمقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار].
مثل هذا الكلام من الكلام الممرض للقلوب، لكن لما بليت به الأمة وصار في المصنفات والكتب والمؤلفات التي تدرس كان لابد من الدفاع عن الحق.
فقوله: [ويقال لمن قال بنفي الرؤية] وهم: الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بنفي رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، يقول: نقول لهم: ماذا تريدون بالجهة التي من أجلها نفيتم الرؤية؟! والمعتزلة وأتباعهم إلى اليوم ليس عندهم حجة شرعية، فقد ثبت تواترًا بالقرآن والسنة رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، لكن عندهم شبهات يسمونها حججًا عقلية، يقولون بزعمهم: لا يعقل أن تكون هناك رؤية إلا بجهة، وعلى هذا ينفون الجهة حتى العلو والفوقية بالمعنى المفهوم عند السلف، فمن هنا قالوا: إذًا: لا تعقل الرؤية؛ لأنه يلزم منها الجهة، فلا أحد يرى، ولا شيء يرى إلا ويكون في جهة، إما أن تراه فوق أو تحت أو يمين أو شمال، فعندهم أن الله عز وجل إذا كان يرى فلابد من أن يكون في جهة، وعندهم ممنوع أن يكون الله في جهة؛ لأنهم ينفون العلو الحقيقي، والفوقية الحقيقية.
وأهل الباطل إذا جاءوا بقاعدة فاسدة جرتهم إلى قاعدة فاسدة أخرى، وهكذا، وتكون النتائج فاسدة، وكل مشكلة ينشأ عنها مشكلة، حتى كادوا ينكرون البدهيات، وهذا ما حصل.
فهو يقول: [يقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها: أتريد بالجهة أمرًا وجوديًا، أو أمرًا عدميًا؟!] .
ومعنى كلامه: أننا نناقش من نفى الرؤية لأنها تلزم الجهة، فيقال له: تعال لنتفق وإياك على معنى الجهة، فإن كنت تريد بالجهة شيئًا مخلوقًا، فالله عز وجل لا يحتاج إلى مخلوق، هذا معنى الأمر الوجودي، وإن كنت تريد بالجهة مجرد الوجهة حتى خارج المخلوقات؛ فهذا أمر عدمي، فالوجهة في الذهن، وليست في الواقع، فمجرد تصور الوجهة تصور ذهني، فإن وجد شيء في الوجهة صار في الجهة، وإن لم يوجد شيء في الوجهة صارت الوجهة مجرد تصور في الذهن، والذهن ليس له ما يقيده؛ لأنه يتصور العدم، وأما الوجود فإنه إذا رآه علمه، أو إذا اطلع عليه بأي وسائل من وسائل العلم علمه.
أما ما عدا ذلك من الألفاظ المجردة -مثل كلمة جهة أو جنوب أو شمال- فهذا إذا كان مجردًا في الذهن لا ينتهي إلى نهاية، فالإنسان قد يتخيل كلمة شمال إلى ما لا نهاية، حتى ما وراء الوجود.
إذًا: فإذا كان تصورهم للجهة التي نفوا بها الرؤية تصورًا وجوديًا؛ فنحن لا نقول بأن الله عز وجل يوجد في مكان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
لكن نثبت له الرؤية، ولا يلزم أنه يحويه شيء من مخلوقاته.
وإن أرادوا بالجهة أمرًا عدميًا، بمعنى: مجرد التصور الذهني؛ فلا داعي لأن نجادل في أمر مجرد في الذهن ليس له وجود، إنما هو خيالات.
ثم قال بعد ذلك: [فإن أردت بها أمرًا وجوديًا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى] ، وهذا عند المعتزلة والجهمية، ولا يصح.
ومقصودهم: أنه لا يمكن أن يرى الشيء إلا إذا كان موجودًا في شيء غيره، وكل هذه فلسفات خيالية جاء بها الفلاسفة قبلهم ثم نقلوها عنهم.
يقولون: كل شيء لا يوجد في غيره لا يرى، هذا معنى هذا الكلام، وأرادوا أن يطردوا هذه القاعدة، فقالوا: ما دمنا نقول: كل شيء ليس في شيء موجود لا يرى؛ والله عز وجل ليس في شيء موجود؛ فالله عز وجل لا يرى! وهذا غير صحيح، وقد يصح جدلًا، وإلا فسينقضه الشارح بعد قليل، فهذه القاعدة لا تصح؛ لأن المخلوقات أحكامها أحكام معلومة عند الناس من خلال المشاهدة، لكن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فلا يقاس بخلقه، ولا يقاس به خلقه.
وقد افترض الشارح افتراضًا صحيحًا فقال: ما دمتم تقولون هذا؛ فإن هناك ما ينقضه من الواقع، وهو: أن هذا العالم المخلوق له نهاية، ونهايته ليست في مخلوق آخر، وإلا فسيلزم التسلسل الممنوع عقلًا، فالمخلوقات تنتهي إلى نهاية، هذه النهاية يجب ألا تكون في مخلوق آخر، وإلا لزم التسلسل.
إذًا: لابد للعالم من نهاية، فالمخلوقات لابد لها من نهاية، إذا كان لابد لها من نهاية ألا يتصور عقلًا أن الإنسان لو أقدره الله عز وجل على مشاهدة نهاية الخلق فإنه يمكن أن يشاهد نهاية الخلق؟! إذًا: قولهم بأنه لا تجوز رؤية الله؛ لأنه لو جاز أن يرى فلابد من أن يكون في مكان يحويه، أو في مخلوق يحصره، هذا غير صحيح، فالقاعدة وهمية من وساوس الشيطان لا أصل لها في العقل السليم والفطرة، إنما هي من خطوات الفلاسفة التي لا تستند على أي أصل علمي صحيح.
يقول: [وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر