فهرس الكتاب

الصفحة 910 من 1296

بدأ يرد بعض الرد التفصيلي في مسألة خبر الواحد، ودعواهم أن خبر الواحد لا يفيد اليقين ولا يفيد العلم، وأن خبر الواحد لا يؤخذ منه اعتقاد، ولا يؤخذ منه أيضًا حكم جازم، إنما يبقى على سبيل الظن، أو تؤخذ منه بعض الأحكام الفقهية على غلبة الظن أيضًا.

قال رحمه الله تعالى: [وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملًا به وتصديقًا له يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر] .

يقصد أن التواتر قسمان: تواتر لفظي، وتواتر معنوي، وكلاهما في الحكم سواء، فما تواتر من الدين -سواء كان تواتره لفظيًا أو معنويًا- فحكمه واحد، بمعنى أنه قطعي، ولا يعني ذلك أن ما لم يتواتر لفظًا ومعنى لا يعتبر قطعيًا، فإن هناك أحاديث ما وردت إلا بخبر الواحد، ولكنها اشتهرت كشهرة حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ، ومع ذلك فإنه عند السلف يعتد به ويصح التدين به، ذلك أن الدين إنما جاءنا على هذه الطريقة، بمعنى: أن الله عز وجل ارتضى كثيرًا من أمور الدين بأن تنقل بخبر الآحاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل من وسائل نقل الدين خبر الآحاد، فكثيرًا ما يرسل واحدًا إلى الصحابة، ويأخذ بخبر واحد، وأيضًا عرف النبي صلى الله عليه وسلم في كثير مما بلغ به الصحابة الدين أنه كان بخبر الواحد.

ثم إن هذا أمر معلوم بالضرورة، وهو أن الله عز وجل علم أن هذه الأمور التي ستنقل بالآحاد ستكون، أي: أنها ستنقل من خلال الآحاد، فلو كان في ذلك نقص في نقل الدين لأتمه الله عز وجل ولأكمله قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغ وأدى الرسالة، وكان من وسائل بلاغه خبر الآحاد؛ فهذا يعني: أن خبر الآحاد لا بد من اعتماده وقبوله إذا صح؛ لأنه من وسائل نقل الدين، وكثير من أمور الشرع والأحكام -بل وبعض العقائد- إنما مصدرها خبر الآحاد، هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الشارح هنا، وهو: أن أغلب أخبار الآحاد التي يعتمد عليها -خاصة ما يتعلق بالعقيدة وأصول الأحكام- أغلبها متواتر تواترًا معنويًا، والتواتر المعنوي: هو قبول الأمة للحديث، اتفاقهم على قبول حديث: (إنما الأعمال بالنيات) منذ عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم والقرون الفاضلة إلى عصر تدوين السنة، فلما دونت السنة كان هذا أشبه بالإجماع، أي: أنهم اتفقوا على قبول مثل هذا الحديث واعتباره من الدين والاحتجاج به، ولم يعترض أحد من الأئمة ولا من أهل العلم على الاستدلال بحديث الآحاد، فمن هنا كان أغلب الأحاديث التي ذكر الشارح نماذج منها يصل إلى حد التواتر المعنوي؛ لأن الأمة أخذتها بالقبول واشتهرت شهرة يستحيل معها أن تكون مجرد أخبار آحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت