قال رحمه الله تعالى: [ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف رحمه الله: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب] .
قوله: (من طلب الدين بالكلام تزندق) ؛ يقصد: أن من بدأ علمه بأخذ علم الكلام قبل أن يتعلم العلوم الشرعية التي تبني العلم على أسس سليمة، أو كان نصيبه من القراءة في علم الكلام أكثر من غيرها، أو بدأ يقرأ في هذه الأمور قبل أن يشتد عوده وهو حديث السن؛ فإنه في الغالب يزيغ نسأل الله السلامة، وهذا الكلام لم يكن مجرد ظن من أمثال أبي يوسف، بل كان واقعًا يحكي نهج أهل الكلام قديمًا وحديثًا، فما من إنسان يؤسس معلوماته على غير العلوم الشرعية في الدين -خاصة العقيدة- إلا تلوث فكره وانحرفت فطرته ونهج غير نهج المؤمنين وغير نهج السلف؛ لأن علم الكلام موضوعاته تتعلق بقضايا العقيدة، فهي تستهوي القارئ، ويظن أن علم الكلام وسيلة لفهم الحق ولفهم العقيدة السليمة، فمن هنا ينجرف من حيث إنه يظن أنه على هدى وعلى طريق مستقيم، وقد قلت سابقًا: الغالب أن علم الكلام يستهوي المبتدئ ويستهوي غير المتفقه في الدين، بمعنى: أنه يجد فيه ما يعجبه، فيعيش في خيالات وأحلام وأوهام يظنها حقائق، وتكبر في نفسه ويملكه الإعجاب بهذا المسلك وهذا المنحى وبكلام المتكلمين؛ لأنه يزينه له الشيطان من ناحية؛ ولأنه يبحث في قضايا غريبة طريفة تستهوي المطلع، فيتمادى معها أحيانًا بمجرد حب الاستطلاع والوصول إلى نتائج الكلام، وأحيانًا يشربها قلبه فيظن أنها حق فيتمادى فيها، ويصير عنده شيء من النهم، فكلما قرأ أحب الازدياد من القراءة، ولذلك فالذين يسلكون هذا المسلك في قراءة كتب الكلام أو كتب الفلسفة أو كتب الأدب غير المنضبطة يدمنون القراءة على هذه الأمور ولا يستطيعون الخروج منها غالبًا، وتستهويهم بحيث لا يستطيع المرء منهم التخلص منها، وإذا قرأ غيرها يشعر أنه لا يستفيد، وأن العلوم الأخرى جافة غير مفيدة، وليس فيها جديد إلى آخره.
فهذه السمة موجودة إلى اليوم في الفلاسفة أو المحبين للفلسفة والمحبين لعلم الكلام وللكتب غير النافعة، ككتب القصص غير الموجهة، وكتب الفن، وكتب الأدب المنحرف، كلها تستهوي القراء في الغالب وتهلكهم أيضًا في الغالب، إلا من عصم الله، وما من أحد يأخذ هذه العلوم بأكثر من قدر العلوم الشرعية إلا صار عنده شيء من اللوثة في دينه وفي سلوكه، إذًا: الغالب أن من طلب الدين بالكلام يصل به الأمر إلى التزندق إما جزئيًا وإما كليًا.
قوله: (ومن طلب المال بالكيمياء أفلس) يقصد به ظاهرة كانت موجودة قديمًا، وهي أن كثيرًا ممن كانوا يتعلمون الكيمياء يستخدمونها في خداع الناس ويراهنون على ذلك، وعوام الناس الذين لا يعرفون هذا العلم يظنون أنه نوع من السحر أو نوع من الدجل، ولا يعرفون أن هذا من الأمور العلمية، فيأتي من عنده شيء من الكيمياء فيراهن على أن يقلب هذا العنصر إلى عنصر آخر، أو هذا الماء من سائل إلى جامد، أو هذا اللون من لون إلى لون، فأكثر الناس الذين ليس عندهم إلمام يقولون له: لا تستطيع، ليس بمعقول، فيراهن، ويجعل هذه وسيلة لكسب الرزق، وكان بعضهم يجلس في الساحات وفي الطرقات من أجل المراهنة مع الجمهور ويكسب بذلك طريقة للعيش يعيش بها على حساب السذج.
فـ أبو يوسف يقول: من فعل ذلك أفلس؛ لأن مصدره غير سليم، والغالب أن من كان مصدره المالي غير شرعي تكون نهايته الإفلاس كما يفعل هؤلاء، وكثير من الدجالين وكثير من المتسولين وإن ملكوا من الدنيا الكثير حالهم حال المفلس، ونهايتهم إلى فقر، ويزيدهم الله فقرًا مادام طلبهم العيش عن هذه الطرق غير الصحيحة.
يقول: (ومن طلب غريب الحديث كذب) ، يقصد: أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع يلتمسون غرائب الحديث وغرائب النصوص وشواذ الفتاوى وشواذ الأحكام وشواذ المواقف بدعوى أنهم يريدون أن يطلعوا عليها، والحقيقة أنهم في الغالب يريدون أن يلبسوا بها على الناس، ثم إن من دخل هذا الباب فأنه -في الغالب- يصاب بنفس المرض، يعني: إذا طلب غريب الحديث -سواء ما يتعلق بالأحاديث المكذوبة مثلًا أو بالأحاديث التي فيها نوع من الإشكال أو الاشتباه أو غيرها- وولج في هذا الباب وأكثر منه فلابد أن يتأثر على نحو يجعله يتعلق ببعض الإشكالات، فتثير في نفسه الشك، أو تجعله ممن يثيرون الشكوك بدعوى أن عنده علمًا وأن عنده طرائف، وأن عنده أشياء ليست عند الناس، فيقع في هذه الظواهر التي تئول بالإنسان إلى الكذب والدجل والشك والريب.