قد تبدو هذه المهمّة سهلة لأزهرى ولد في الكتاب، وحفظ القرآن في سنّ مبكرة ثمّ درس في معاهد الأزهر، ثمّ في جامعته، ثمّ في السربون- علوم لغات القرآن والكتاب المقدّس، وكتب أطروحة باللغة الفرنسيّة في ذلك، ولكن تلك السهولة تبدو خادعة، فالأمر يحتاج إلى يقظة ووعى بإشكاليّات الدراسات اللغويّة والتركيبيّة والبلاغيّة والأسلوبيّة، وكذا قل عن كل علوم القرآن وتفاسيره، ثمّ الغوص في أعماق اللغة الفرنسيّة (واللغة العبريّة) وإدراك خصائص كل لغة وشاعريّتها على وجه الدقّة، وقد يتأتى ذلك لإنسان عاش في بلد اللغة الفرنسيّة وفى قلب حضارتها زمنّا كافيا وعرف حركتها الثقافيّة والعقليّة في واقعها اليوم وهى تقرأ القرآن لسبب أو لآخر بالفرنسيّة.
بقى أن يدرس المهتمّ بذلك تاريخ الإشكاليّة مبدئيّا، أى مبدأ ترجمة معانى القرآن، منذ نزول الوحى وحتّى الأمس القريب، من ناحية شرعيّة، هل كان المسلمون يرون الترجمة ممكنة أو جائزة؟
وإن كانت جائزة شرعا فهل هى مستطاعة عملا؟ وما العقبات التى تواجه المترجم؟ وهل تأتى دائما من مستوى معرفته باللغة العربيّة، وبلغة القرآن على وجه الخصوص؟ أم أن للغته الأم وللإلمام بها بدرجة من الكمال أو الإتقان دخل في ذلك؟ أم أن طبيعة لغته ومنطقها وملامحها تعتبر من أهمّ المؤثرات؟ وهل لدينه أو لموقفه من الدين عموما أثر في الترجمة؟ وهل لصلة القربى بين العربيّة والعبريّة، ثمّ بين القرآن والعهد القديم دخل في المشكلة؟ وهل يلاحظ خصوصيّات القصص القرآنى إذا مرّ بما يشبه التوراة من القرآن في مثل قصص الأنبياء على وجه الخصوص؟