الصفحة 14 من 106

ولكن الحديث عن الاستشراق والمستشرقين حديث ذو شجون، وهو لن ينتهى ما دامت السماوات والأرض، وما دامت الحضارات الإنسانيّة في حالة حوار دائم أو قل فى

حالة صراع دائم.

أخطر ما في هذا الحديث أنّه حديث يتراوح عادة بين العاطفة والعقل، والعاطفة غالبا ما تغلب، بين البغضاء والمودّة- والبغضاء كثيرا ما تنتصر- وبين الانحياز والحياد- والانحياز قد اعتاد أن يفوز- وبين الذاتيّة والموضوعيّة- والذاتيّة هى المتفوّقة بشهادة وقائع التاريخ ..

ثمّ ما الموضوعيّة هذه التى يتكلّم عنها الباحثون في الغرب والشرق ليل نهار؟ وفى مجال الدراسات الإنسانيّة على وجه الخصوص؟ هل ثمة موضوعيّة تامة؟ وحياديّة كاملة؟ إن الإجابة بالنفى لا تحتاج إلى أكثر من إعمال عقل.

«المستشرقون» صارت كلمة فضفاضة واسعة، ضائعة المعالم والحدود، وأريد أن أذكر أنّنى اتصلت بجامعات فرنسا وألمانيا وإيطاليا طالبا وأستاذا، ولم أجد قط من يستعمل كلمة مستشرق، بل إن أحد كبار المشتغلين بعلوم الإسلام في باريس «أرنالديز» قال إنّه يرفض هذه التسمية المليئة بالخلفيّات والأحكام المسبقة ويفضّل أن يسمّى مؤرخا ومفكّرا. وكثيرا ما نردّد نحن في بلادنا ومجتمعاتنا العلميّة وغيرها هذه الكلمة، مشحونا معناها بالمبالغات والتصوّرات العاطفيّة، وننسى أن هؤلاء المستشرقين أوّلا وأخيرا بشر وليسوا ملائكة ولا شياطين، إنّهم مثلنا نتاج حضاراتهم ولغاتهم وآدابهم وتاريخهم وعقائدهم عبر قرون، إنهم يعلمون ويجهلون ويصيبون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت