الصفحة 189 من 477

فإن الأصل في الزواج التعدد؛ لقوله تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا" [النساء:3] ، فدلت الآية على أن الأصل هو التعدد، وهذه القضية ثابتة شرعًا وعقلًا، فإن عدد النساء أكثر من عدد الرجال، سيما إذا حدثت حروب وغيرها، وليس شرطًا أنه لا يعدد إلا من كان له عذر في ذلك؛ لأن التعدد أبيح بدون شروط إلا شرط العدل، والعدل المقصود في الآية هو في الأمور الظاهرة المقدور عليها كالقسم في المبيت، والعدل في النفقة والتعامل، وأما الميل القلبي فلا يشترط فيه ذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". رواه أبو داود (2134) ، والترمذي (1140) ، والنسائي (3943) ، وابن ماجة (1971) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

أما إذا كان الإنسان متيقنًا أنه سيظلم إحدى زوجاته ويضر بها ولا يعطيها حقوقها؛ فإن التعدد يكون في حقه حرامًا؛ لقوله تعالى:"فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً" [النساء: 3] .

وأما إذا كان الإنسان يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة لمرض زوجته الأولى، أو عدم قيامها بحقه، أو كبرها أو غير ذلك؛ فإن التعدد يكون في حقه فرضًا واجبًا والله أعلم.

سئل الشيخ سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ... أنا أعيش في إحدى الدول الغربية وأريد أن أتزوج زوجة ثانية، لكن المرأة الثانية تخشى أن يكون زواجنا فيه مخالفة شرعية؛ لأنه مخالف لأنظمة الدولة التي تحظر تعدد الزوجات، وتقول إن الأئمة الأربعة أشاروا إلى وجوب اتباع أنظمة مكان إقامة الشخص. فما الحكم الشرعي الصحيح في هذه الحالة؟ وهل يجوز أن نتزوج؟ مع العلم أن هناك كثيرين معددين هنا.

الجواب: ... الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نعم! المسلم المقيم في بلاد الكفار مأمور ألا يخالف أنظمتها، إلا إذا أمرتْ بمعصية، أو نهتْ عن طاعة واجبة، فحينئذ لا نقول: تجوز مخالفته فحسب، بل تجب مخالفته ولا يجوز اتباعه إلا في حال الاضطرار والإكراه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وأما ما لا يمنع من واجب، ولا يأمر بمعصية، ولكنه يحرم الإنسان من رخصة شرعية - كالتعدد مثلًا- فيجوز له مخالفة نظامهم والتحايل عليه، بشرط أن تكون المصلحة فيه راجحة، ولا يترتب عليه إضرار بالآخرين، ولا تعريض للنفس إلى المخاطرة والعقوبة التي قد لا يحتملها الإنسان.

فزواج المسلم بزوجة ثانية في ذلك البلد الكافر الذي يعج بمظاهر الفتنة والفواحش فيه مصلحة راجحة ولا شك، وهي تحصين فرجه وإعفاف نفسه عن الحرام، وليس في تحقيق هذه المصلحة الراجحة مفسدةٌ ولا مضرةٌ على الآخرين.

وما كان من قبيل هذه الصورة - أعني ما فيه مصلحة دينية راجحة لا يترتب على تحقيقها أي مفسدة أو مضرة للآخرين- فلا يلزم المسلم التزام النظام الذي يمنعه ما دام أن الشرع قد رخَّص فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت