المدلس وسقوط اعتباره. ليصل من ذلك إلى أن ابا هريرة - بحسب القواعد التي وَضَّحَهَا هؤلاء العلماء - لايعتبر حديثه ولا يحتج به.
ومثلًا آخر: إنه يتهم أبا هريرة بالكذب، ثم ينقل نصوص العلماء في سقوط الاحتجاج بمن كذب ولو مَرَّةً واحدة على رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأن بعضهم ذهب إلى تكفيره، ويريد أن يطبق ذلك على أبي هريرة .. أي أنه يأتي بمقدمة صغرى غير صحيحة، ومقدمة كبرى مُسَلَّمَةٍ، ثم يأتي بالنتيجة التي يهواها على أنه ألزم خصومه بما لا يسعهم رفضه.
لقد قال في أول بحثه: «إن أحاديث الآحاد تفيد الظن. والظن لا يغني من الحق شيئًا» ، واستنتج من ذلك أن أحاديث الآحاد لا تلزمنا بشيء ..
استدل للمقدمة الصغرى بنصوص العلماء في هذا الشأن وهي صحيحة، ولكن المقدمة الكبرى غير مُسَلَّمَةٍ لأن جماهير أئمة العلم ذهبوا إلى وجوب العمل بأحاديث الآحاد، فالنتيجة التي ذكرها أَبُو رَيَّةَ غير صحيحة، ومن المعلوم أن القياس لا يكون صحيحًا مُلْزَمًا إلا إذا سلمت مقدمتاه.
هكذا شأنه في كل أبحاثه، ومن هنا أكثر من الاستشهاد بنصوص من مراجع علمية محترمة في الأوساط العلمية، لكنها لا تلتقي معه في اتجاهه، بل هي في اتجاه معاكس له تمامًا، وإنما حشرها بين مراجعه لِيُمَوِّهَ بها على القُرَّاءِ البُسَطَاءِ، أو الذين لا اطَّلاَعَ لهم على هذه المباحث.
ثالثًا - أنه يسيء فهم النصوص عَمْدًا، ويتحكم في فهمها تَحُكْمًا يمليه الهوى لا البحث العلمى كما فعل في فهمه معنى قول أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» [1] وكما فعل في فهمه معنى قول بُسْر بن سعيد فيمن كان يحضر مجلس أبي هريرة فيجعل ما يرويه أبو هريرة عن كعب مَرْوِيًّا عن رسول الله، وما يرويه أبو هريرة عن رسول الله مَرْوِيًّا عن كعب، وقد سبق التنبيه إلى ذلك.
وهذا الأسلوب هو أسلوب المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ، وهو الذي أسقطهم من عيون المُسْتَشْرِقِينَ المُحَقِّقِينَ الذين أتوا بعدهم، وأضعف من الثقة بأبحاثهم.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ] :
(1) [انظر ص 330 من هذا الكتاب] .