منشأ الوقف:
من أهم القوانين الاجتماعية التي أثرت في عمران هذه الديار وأخلاق أهلها قانون الوقف، وهو حبس العقار أو الأرض عن البيع وحصر المغلّ في يد شخص أو أشخاص على مقصد معين. كان الوقف معروفا عند الرومان ومنه الخاص والعام، وكذلك هو معروف عند الأمم النصرانية لعهدنا، وكان أهل الجاهلية من العرب لا يعرفونه. قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت وإنما حبس أهل الإسلام. فاستنبط الرسول صلوات اللّه عليه الوقف لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل اللّه مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيحرمون، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل، تصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على ملك الوقف. وقد وقف رسول اللّه بعض ما ظهر عليه من الأرضين فلم يقسمها وقد قسم بعض ما ظهر عليه، ووقف ثمانية عشر سهما من خيبر لمن نزل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الناس والوفود وما نابه من نوائب الناس. وفي صحيح مسلم أن عمر أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول اللّه إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل اللّه وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها