فهرس الكتاب
ومما استنكر على الثقة الحافظ المتقن ما روى عبد الرزاق، قالَ: سمعتُ مالكًا، يقولُ: وقّتَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل العراقِ قرنًا، فقلتُ: مَنْ حدَّثكَ هذا يا أبا عبد الله؟ قالَ: أخبرنيه نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، فحدثتُ به معمرًا، فقالَ: قد رأيتُ أيوبَ دارَ مرةً إلى قرْنٍ فأحرم منها.
قال عبد الرزاق: وأخبرني بعض أهلِ المدينةِ أنَّ مالكًا بأخرةٍ محاهُ منْ كتابهِ.
أخرجه: مسلم في"التمييز" (94) ، والطبراني في"الأوسط (8109) كلتا الطبعتين، وأبو نعيم في"الحلية"9/ 237 من طرق عن إسحاق، عن"
عبد الرزاق بهذا الإسناد.
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول بوهم عبد الرزاق فيه، فقوله: (( لأهل العراق قرنًا ) )لم يتابع عليه، قالَ الطبراني في"الأوسط"عقب (8109) : (( لم يروِ هذا الحديث عن مالك إلا عبد الرزاق تفرد به إسحاق بن
راهويه )) ، وقال أبو نعيم: (( تفرد به عبد الرزاق، عن مالك فيما قاله
سليمان )) ، ونقل ابنُ حجر في"فتح الباري"عقب (1531) عن الدارقطني أنَّه قال في"غرائب مالك": (( تفرد به عبد الرزاق ) )، وقال ابن حجر عقب ذلك: (( والإسنادُ إليه ثقات أثبات، وأخرجه: إسحاق بن راهويه في"مسنده"عنه، وهو غريب جدًا، وحديث الباب يرده ) ).
وقال مسلم في"التمييز"عقب (95) : (( والصحيح المحفوظ من توقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون [1] ذلك حفظ عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقّتَ قرْنًا لأهل العراق، هذا ما لا يحتملُ التوهمَ على مالك ) ).
قلت: كأنه يحمل الوهم على عبد الرزاق، ومما يزيد في رواية
(1) هكذا في المطبوع وقال محققها في حاشيته: (( زاد محقق(ع) بعد هذا (( ما ) )وجعلها بين معكوفتين )) فصارت: (يكون ذلك ما) ، وصوابها أنّ (يكون) في العبارة ليست فعلًا مضارعًا وإنما مصدر مجرور بحرف الباء فهو أقرب إلى اللفظ والمعنى، فتصحف الباء إلى الياء آخر الحروف.