به إلا من رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد
والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن، كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني )) (4) .
وهذا النص من أظهر النصوص على صعوبة النقد تصحيحًا وتضعيفًا وتقوية وإعلالًا. ولما كان الأمر على ما ذكرت والحال كما وصفت فقد قدّم المحدثون في كل زمان ببذل أقصى ما يستطيعه البشر من أجل تنقية السنة من الكذب والخطأ، وجاءوا بأشياء أذهلوا فيها العدو قبل الصديق.
وكتابي هذا"الجامع في العلل والفوائد" (5) تخصصٌ في تخصصٍ دقيق فهو يبحث في علم الحديث روايةً ودرايةً ثم في ذلك العلم يبحث في أغمض قضاياه، قال البيهقي: (( وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم، وإنما يعرف بكثرة السماع، ومجالسة أهل العلم بالحديث، ومذاكرتهم والنظر في كتبهم، والوقوف على رواياتهم، حتى إذا شذ منها حديث عرفه ) ) (6) . وقبل هذا كله فإنَّ هذا العلم من علوم
الآخرة؛ لا يصح العمل به إلا بعد النية الصادقة والمراقبة التامة.
وليعلم أن العمل بهذا الفن عمومًا وخدمة علم العلل خصوصًا داخل في النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن رجب الحنبلي: (( ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومالم يصح منه بتبين حال رواته ومن تقبل رواياته ومن لا تقبل، وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل رواياتهم ) ) (7) وكلام ابن رجب كلام عظيم ومن قرأه متأملًا كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي رقية تميم الداري مرفوعًا (( الدين النصيحة ) ) (8) علم أن واجبًا على كل مسلم تجاه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأن خدمتها واجبة وشرحها وتبليغها للناس أمرٌ مأمور به
كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( بلغوا عني ولو آية ) )ومن أدق النصح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان العلل التي تخفى على أغلب