الصفحة 5 من 2586

الناس بله على كثير من العلماء المختصين؛ إذ إننا في زمن الغربة في هذا الفن العظيم.

من هنا شققت لنفسي طريقًا لتكون لي يدًا بيضاء ولمسةً طيبةً في خدمة هذا الفن الذي هو من أغمض فنون العلم، وقد مرت عليَّ في هذا الكتاب أيام وساعات عصيبة عانيت ما عانيت فيها في ظل احتلال مقيت وعمالة عمياء، وانفتاح للغرب وسكر للشهوات وحسد حاسد وتسلط كاسد وزمجرة مقلد لكنَّ الله بفضله ومنّه وكرمه قد دفع عني كل شر ونجاني من كل مكر؛ فأحمده حمدًا عظيمًا مباركًا دائمًا أبدًا بعدد ما خلق وذرأ وبرأ ونشر وبعدد أنفاس الخلق وحركاتهم، وأسأل الله أنْ يوزعني ويوفقني لأداء شكر نعمته على الوجه الذي يجب.

ومعاناة الاحتلال والوضع المحيط لم يضرني بقدر ما ضرني شحة المصادر وتأخر وصول الكتب المحققة الحديثة لبلدنا الجريح؛ لا سيما وأن كثيرًا من كتب السنة التي بين أيدينا فيها من التصحيف والتحريف والسقط ما الله وحده عليم، وهذا أكبر أمر ضرني في هذا الكتاب لسنوات، ولربما حكمت على حديث على ضوء إسناد فلما راجعت المخطوطات والطبعات الحديثة؛ وجدت أنَّ تلك الأسانيد التي تم الاعتماد عليها بالترجيح كانت مصحفةً أو محرفةً، وقد ذكرت من ذلك أمثلة في ثنايا الكتاب، وأنا إذ أذكر هذا فلا أغفل قول الجاحظ: (( ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام ) ) (9) فالتصحيفات الموجودة والتحريفات الكثيرة في الرواة والأسانيد لكثيرٍ من كتب السنة أخذت مني شطر الوقت، ولما كنت أعد فهارس متنوعة لكل كتاب من كتبي زدت في هذا الكتاب فهرسًا للتصحيفات والتحريفات الواردة في الكتب؛ ليكون دليلًا على تصحيح نسخ الآخرين من تلك الكتب، وهو جزء من النصيحة، والله المستعان.

وهذا العمل لما كان في نقد أخطاء الرجال فقد نقدنا هذه الأخطاء، وبينا تلكم الهنات، وقد جرنا ذلك بالضرورة إلى بيان أخطاء كثير من الكتب وأخطاء كثير من المؤلفين، وهو أمرٌ أدت الضرورة إليه، ومعلومٌ أنَّ كلمة الحق لا تبقي لصاحب صاحبًا وتدخلك مع من لست تعرف في صحبة ودٍّ لذلك قال ابن قتيبة: (( ولعل بعض من ينظر فيما سطَّرناه، ويقف على ما لكتابنا هذا ضمَّنَّاه، يلحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت