سيءَ الظن بنا، ويرى أنَّا عمدنا للطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا وعلماء سلفنا وأنى يكون ذلك؟! وبهم ذُكرنا وبشُعاع ضيائهم تبصرنا وباقتفاء واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم على الهمج تحيزنا، وما مثلهم ومثلنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن
العلاء ... قال: ما نحن فيمن مضى إلا كبقلٍ في أصول نخل طوالٍ. ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا، ونصب لكل قومٍ إمامًا، لزم المهتدين بمبين
أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم، ممن رزق البحث والفهم وإنعامَ النظر في العلم، بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا، إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين من مقارفة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على
المتعلم، وواجبٌ للتالي على المتقدم )) (10) . وإنَّ هذا الصنيع لأهل العلم في القديم والحديث أمرٌ منبعثٌ من تأصيل العلم وتجريده من الخطأ، قال الإمام الشافعي: (( مَنْ تعلم علمًا فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم ) ) (11) . وهذا المنهج الذي أصله الإمام الشافعي - يرحمه الله - منهجٌ قديمٌ في التدقيق والبحث والنقد منذ عهد الرواية؛ لذا كان لكل قرن من قرون الرواية منهجه وأصوله وضوابطه على حسب المحيط الذي يحيط ذلك العصر والمستجدات التي تحف فن الرواية؛ لذا نجد القرن الأول كان كافيًا لبيان صحيح السنة حتى لا تختل في القرن الذي بعدها، والنقد في القرن الثاني كان كافيًا، وكذلك الثالث وهلم جرًا. ومعلوم لدى النقاد أنَّ القرن الثالث الهجري كان العصر الذهبي في النقد والإعلال والتصنيف، ومن يمعن النظر في ذلك يجد أنَّ للمتقدمين إبداعات تخضع لها العقول، وإجادات تشهد بأنَّ علمهم مؤيدٌ من الباري سبحانه، ومما حصلوه في تلك المدة الزمنية أنَّهم دونوا الأحاديث في الكتب حتى قال البيهقي: (( وهو أنَّ الأحاديث التي قد صحت، أو وقفت بين الصحة والسُّقْم قد دُوّنت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل العلم بالحديث، ولا يجوز أنْ يذهب منها شيءٌ على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم، لضمان صاحب الشريعة حفظها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه ) ) (12) .