ومن ينظر في كيفية تلقي الصحابة، وحرصهم على ذلك يدرك مدى الاهتمام، ومدى حرص الصحابة على حفظ السنة من الخطأ في الحديث فقد دققوا غاية التدقيق، فهم أخذوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهةً، وإذا سمعوا شيئًا مما لم يسمعوه تثبتوا فيه كما حصل لعمر بن الخطاب، وطلبوا البينة أحيانًا مبالغة في التثبت وصيانةً للشرع كما فعل عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري (13) في الاستئذان ثلاثًا، لذا فإنَّهم لم يكونوا يتهاونون في ذلك مع أحدٍ كائنًا من كان إذا رفع حديثًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما قال المستورد بن شداد القرشي عند عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) )، فقال له عمرو: أبصر ما تقول قال: أقول سمعت من رسول صلى الله عليه وسلم ... )) (14) .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (( إنا كنَّا مرةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا ) ) (15) .
وكانوا يرحلون في سماع الحديث حتى إنَّ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رحل شهرًا في سماع حديث واحدٍ (16) .
ثم سار التابعون على ذلك المنهج ومن بعدهم، حتى قال ابن حبان:
(( فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهَدَوْهم إلى الصّراط المستقيم، الذين آثروا قَطْع المفاوِز والقِفار على التنعّم في الديار والأوطْان في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالوجل والأسفار والدَّوران في جميع
الأقطار، حتى إنَّ أحدهم ليرحَلُ في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدخلَ مُضِلٌّ في السنن شيئًا يُضلُّ به، وإن فعل فهم الذابّون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكذب، والقائمون بنُصْرة
الدين )) (17) .
أما تنظيم الكتاب فقد كان الكتاب على ثلاثة أقسام:
القسم التنظيري، والقسم التطبيقي، والفوائد والقواعد الحديثية.