وأزيد بيانًا فأقول: إن مما لا ينكره عاقل فقيه هو إن الله عز وجل كتب لهذه الأمة نصرًا مؤزرًا إذ رزقها عالمًا فحلًا فقيهًا كشيخ الإسلام، والناظر فيما أمضى الشيخ فيه عمره يجد أن بعضه غذا جردنا النظر = كان هناك ما هو أولى منه، وقد أقر الشيخ نفسه بذلك، ولكننا الآن إذ ننظر لأثر ما خلفه الشيخ من دروع نتدرع بها في حربنا مع ملل الكفر ونحل البدعة = نقول للشيخ: لا والله،بل ما عمرتَ فيه زمانك كان أولى مما تظن؛وقد انتفعنا به انتفاعًا لم يغننا عنه تفسير الطبري ولا فتح الباري.
والشيخ الهدلق ومن كان في دربه يسدون ثغرًا عظيمًا جدًا باطلاعهم على تلك الثقافات فيكون الواحد منهم بمحصوله المعرفي رصيدًا للأمة يستيعنون بهم في معرفة أخبار وأحوال تلك الأسماء وهاتيك الثقافات التي ربما لقيناها أمامنا في ساحة العراك الثقافي والحضاري المشتعل أوارها الآن ..
وإذا أتينا إلى أن نضرب المثل = لم نجد -للعجب- سوى ما لحظتَ فيه زهوًا وعجبًا لم تفقه موضعه،وهو ما في رد الشيخ على السرحان من تنفخ واختيال مقصود كقصد اختيال المجاهد بين الصفوف يذل به الشيخ خصمه المتنفخ الظان كل الظن أن ليس في السلفيين أهل السنة رماح يشكون بها ثوبه ومثاقيل يرضخون بها رأسه التي سولت له أن يظن أنا قوم سوء نغفل عن ثقافات عصرنا وفقهها غفلة صوفية لا تفرق بين فقه الباطل لنقضه ورده وقت الحاجة وبين التضمخ بنجس الباطل ولوغًا فيه ..
فمن ناحية النفع المجرد: لا توازن قراءات الشيخ الهدلق بالفتح ولا غيره من كتب علماء المسلمين،أما من ناحية ميزان المفاضلات العام؛ فقد تحتاج الأمة في موضع لمن فقه كتب الفلسفة وأخبار أمم الكفر وآدابهم وأخبار رجالهم = أكثر من احتياجها لمن يحفظ البخاري ويجرد فتح الباري، ولكل معركة سلاح، وبئس القوم قوم لا يعدون لكل دائرة عدتها.< o:p>
دع عنك أن تنوع الشيخ المعرفي ضم له ما لعلك لم تقرأه من أكثر كتب شيخ الإسلام ونحوها، وإنما غرك أنه يريد أن يفيد الناس بشوارد يضمونها إلى عدتهم ولا يقصد لأن ينبئهم بما يعرف هو أنه تحت مد أيديهم ..
وإذًا فتنوع الشيخ المعرفي له بابان:< o:p>
الأول: سد ثغر تحتاج إليه الأمة ويقل المشتغلون به من طلبة العلم من الخبرة بالموارد الثقافية للعلمانيين والليبراليين ومن ورائهم من حملة الأقلام الكافرة خلف الثلوج البارة؛ فلا يأتوننا إلا من حيث خبرنا.< o:p>
والثاني: عمل أقل أحواله أنه مباح ويكتسب الاستحباب بالنية وتحصيل النفع الدنيوي والأخروي من وراء جمع الخبرات والتأدب بصواب الناس وخطئهم ووصل حبل معرفة أخبار الأمم ورجالها، وآداب الغرب والشرق وفنونهم .. < o:p>
والأصل أن الله عز وجل بعث نبيه بالحق التام والنور الصافي،ونثر دلائل هذا الحق فيالوحي وسيرة نبيه وسيرة وأقوال القرون المفضلة ..
ومذ أخذ الله ميثاقنا ثم نسلنا من أبينا آدم وفي قلب كل واحد منا شعبة أو أكثر من الحق الذي تأتي به الأنبياء،وبهذه الشعبة التي في قلوبنا وغيرها نعرف صدق النبي وصدق ما معه وأنه خبرالسماء ..
حتى إذا سحنا في الأرض وفي قلوبنا الحق الأول الذي فطرنا عليه وفيها الحق الذي أتت به الأنبياء = وجدنا مع سائر الخلق وفي أقوالهم وأعمالهم بعضًا ممامعنا من هذا الحق= فيكون مذكرًا لنا ومحييًا في قلوبنا بعض ما يكون قد اندرس؛فالحق يذكر بعضه بعضًا أو يوكد بعضه بعضًا ..
وقد نجد في أقوالهم وأعمالهم بعض مايسوء مما يخالف الحق فتكون تلك المخالفة إذا رأيناها باعثًا لنا على التمسك بالحق ومحبته وشكر الله على نعمته ..
فكل ما كان من أبواب الفن والأدب وأخبار الأمم ورجالها مذكرًا أو مؤكدًا أو محييًا أو منبهًا لما في قلوبنا من هذا الحق الأول = كان من العلم النافع الذي يُطلب مالم يشتمل على مفسدة تغلب مصلحته ..
ولا يقال فليطلب هذاالتذكير من نفس الوحي؛لأن النفوس تتباين وكثرة الواردات من الدلائل تتعاضد،وكمايتذكر القلب بمعرفة وقراءة نفس الأمر والنهي = فإنه يتذكر ويحيا إذا ما رأى وقرأوسمع عملًا أدبيًا فنيًا يعلي من قيم الحق والخير والجمال أو يدل عليه أو يصف نقائضها ..
ولأمر ما طلب صحابة رسول الله أن يقص عليهم ولأمر ما قيل إن في القصص عبرة ..
ونعم في القصص الحق كفاية في الجملة ولكن القلوب أوعية وما لم يُذهلها المفضول عن الفاضل = لم يكن جمع الفاضل والمفضول لها معيبًا ..
دع عنك طلب هذه الأبواب طلبًا هو من جنس إجمام النفس التي لم تضع الاشتغال بالحق وكتبه باللهو المباح، ثم نفع الناس وإجمام نفوسهم ببعض الفوائد المحصلة من هذا اللهو،وقد كتب بعض علماء الأمة في هذا فصولًا لا تنكر، ومن جعل لهوه في الازدياد المعرفي والقراءة التي قد تنفع ولو بوجه مع ما نراه منه من اطلاع على كتب الشرع وقيامًا في وجه أهل الباطل = كان حقًا علينا مدحه وشكره ولا عيب ..
وبعد ..
فأشكر لك حسن قصدك أخي المكرم ..
والحمد لله وحده ..
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)