ـ [ذو المعالي] ــــــــ [05 - 02 - 10, 02:38 ص] ـ
يتنامى إلى أسماع كثير من الناس خبر فلان الميت، و المنسوب إلى أهل العلم، و أهل الفقه في الشرع، و الضلاعة في اللغة، و المُكنة في علوم العقل، و نحو ذلك، فيتسابقُ أهل الفضلِ إلى إسداءِ واجبِ العلم و الإسلامِ بالترحُّمِ و التَّرَضِّي عنه
و مما يُذكرُ في مناقبِ و مفاخِرِ ذلكم العالِم و الفقيه أنه ممن جمعَ مكتبةً عظيمة، و أنَّ له تآليفَ كثيرةً، و تصانيفَ كبيرةً، منعَ من إظهارها في حياته أسبابٌ و عللٌ، فيأمَلُ الناسُ خيرًا في ذريته _ علوًا و نزولًا _ أن يكونوا خلفَ خيرٍ لأبيهم في إخراج تلك الكتب، و هذا المؤمَّلُ و المرْجوُّ مِن حُفَّاظ حقِّ العلم، و الساعين في بِرِّ الأبِ بعد أفولِ نجمه
إلا أننا نُصاب بأسَىً حين يبلغنا أن تلك الكتب مضى على موت صاحبها و مؤلفها سنينَ عددًا و لم يبدُ شيءٌ منها لعينٍ ترجوها، و لا بلغَ أُذُنًا همَّ إخراجٍ
و هذه جنايةُ كثيرٍ من أبناءِ علماءِ زماننا هذا على كتُبِ أبائهم، فحرموا الناسَ منها، و منعوا العملَ على إخراجها، فصارَ شأنهم احتكارٌ لِمُشاعٍ، و منعٌ لمُباحٍ
و علةُ أولئكَ في تصرُّفِهم أنها من جملةِ موروثاتِ أبيهم، و أنه لا يحقُّ التصرُّفُ بشيءٍ منها إلا بطرفٍ آذن من ورثته، و لو بلغ البُعدُ عشرات، و أنَّ إخراجَ ذلك بغيرِ هاتيك السابلةِ المرقومةِ فإنه عملٌ باطلٌ، و صنيعٌ مُتَبَّرٌ
و يُرَوْنَ يَعِدُوْنَ بأنَّ ذلك قد قربَ عهدُه ظهوره، و قابَ قوسينِ أو أدْنى من الخروج، و تمرُّ السنين ذوات العددِ، و المماطلةُ باقيةٌ على عروشها
و هذا الوعد بالإخراجِ، و المحفوف بالمماطلةِ مكيدةٌ لصيدِ مَن يعملُ على الكتابِ فيُؤْخَذُ منه للمراجعةِ و النظر، و بعدُ الإذنُ، فيكون جاهزًا للإخراجِ، فيُعْتَذَرُ بكيتَ و كيتَ، ثم يضيعُ عمله هباءً، فيراه خارجًا باسمِ ابنٍ أو حفيدٍ، لا يمُتُّ للعلم بِصِلَةٍ، و لو زورًا
و مِن عجيبٍ قولُ بعضٍ أنَّ الكتابَ إذا حُقِّقَ، و اعتُنِيَ بِه، فإنه لا يُسْمَحُ لأحدٍ بأَنْ يكتبَ مقدمةً و لا ترجمةً، إلا (أنا!) ، و إن كان الاعتناءُ مناسبًا بمقامِ والدي فسيُخْرَجُ الكتابُ باسمي لا باسمِ غيري، لأنَّه إرْثَ أبينا.!!
و هذه جنايةٌ كبرى أخرى
و مع هؤلاءِ الأبناءِ تجاه جنايتهم على علوم الأباءِ وقفاتٍ:
الأولى: ليس ما كتبه الأبُ و حرَّرَه خاصًا بأبنائه دون عامةِ الناس، بل لَم يكتُبْ إلا لِيَعُمَّ النفعُ بين جمهور أهل العلم و المعرفة
و قد يكون في أبناءِ العالم _ إن لم يكُن كلهم _ مَن هو ليس إلى العلم في علوٍّ و لا نزولٍ، و يتصرَّفُ تصرُّفَ الجاهل في كتبٍ، و ربما تصلُ إلى حدِّ التلفِ، و الله المستعان.
الثانية: الطرفُ المتكفِّلُ بإخراجِ كتابٍ مَّا يُنظرُ في حالِه:
فإنْ كان أمين الصنْعةِ، موثوق العمل، فما المانعُ مِن الإذنِ بإخراجه للكتابِ، و الرضا به بعدُ؟
و إنْ كان غيرَ ذلك _ كحالِ جملةٍ من مرتزقةِ الكتبِ (المحققة!!) _ فلا يؤذَنُ له، إكرامًا للعلم أن تصِلَهُ يدٌ ترنو للدنيا، و تقصدُ الجاه و المالَ به.
الثالثة: أنَّ مِن جنايات الأبناءِ على أبائهم العلماءِ منعَ الناسِ من هذا الموروث العلمي، و هذه تُلْحَقُ بجنايةِ كَتْمِ العلم عن أهله.
هذه جنايةُ الأبناءِ على علوم الآباء، و إني أتساءلُ ما شِكايةُ الآباء من تلك الجناية، فإنه مما لا شَكَّ فيه أنَّ لهم شكايةٌ كبرى، و ربما يوم العرْضِ يكون العرْضُ لتلك الجنايات متبوعةً بشكاياتِ المجني عليهم.
و أذكرُ في ذلك واقعتين:
الأولى: أنَّ أحد المحققين اهتمَّ بكتابٍ لأحد كبار علماء هذا العصر، و اعتنى به: تفريغًا من مسموعاتِه، و ضبطًا لألفاظه، و تعليقًا على مواطنِ مُشْكلاته، و فتحًا لِمُغلقاته، و عزوًا لأحاديثه و آياته، و لِيُقَدِّرْ القايءُ الكريمُ كم من جهدٍ أُمْضِيَ في ذلك.
فعرضَ الكتابَ على أحد أبنائه _ و هو عالمٌ فقيهٌ _ على أملِ الإذنِ، فوعدَ خيرًا، و إذا به قد مرَّتْ عليه تسعُ سنواتٍ _ أو تقرُبُ _ و لم يأتِ الإذنُ، و صدر الكتاب مطبوعًا بعناية آخر؟!.
الثانية: أحد العلماءِ له مقالاتٌ مفيداتٌ، جزلةٌ، محقَّقةٌ، محرَّرَةٌ، منثورةً في مجلاتٍ كبرى، و كتبٌ قديمةٌ، عُدَّتْ في عِدادِ النادر المفقود، سألتُ ابنًا له _ و هو المُؤَمَّلُ بإخراج كتب أبيه _ فوعد خيرًا، و أنَّ العملَ جارٍ على قدمٍ و ساقٍ! على إخراجها قريبًا، و هذه الـ (قريبا) صارت أكثر من خمسة عشر عاما.
هذا شيءٌ مِن تلك الجنايات، و ضْربٌ من التسلُّط (اللطيف) على موروثِ علوم الآباءِ، و لا يخسَرُ في ذلك إلا طرفان:
] الأول: العالمُ الذي حرَمَه أبناؤه الأجرَ بِسَوْقه حال خروج الكتابِ، و ديمومةِ الترحُّمِ عليه عند كل نظرةٍ فيه.
الثاني: أهل العلم المُتطلعين لتلك الكتب، فاشْرَأَبَّتْ أعناقهم حتى انكسرتْ، و هم ينظرون إلى جديد الكتبِ كالباحثِ عن ابنِ صُلْبِه.
و أما الأبناءُ ذوو الجنايةِ فإنهم حرموا أنفسَهم دعواتَ قومٍ هم خيرُ أهل الأرضِ في أزمانهم، أعني بهم: العلماء و حملةَ العلم.
و حتى لا يُسارَ بالكلامِ في غيرِ مساره، و يُطارَ باللفظِ في غير مطاره، فإنَّه لا تزالُ بقيةُ خيرٍ في أبناءٍ هم خيرُ خلف لخيرِ سلفٍ، سَعوا في الأرْضِ حثيثًا يتلمَّسُون أهل الأمانة في إخراج كتبِ آبائهم، باذلين مِن أموالهم نفيسها في تحصيل ذلك، فهؤلاءِ لن يضيعَ عملهم هباء، و ما ضاعَ عملٌ صالحٌ، فكثَّرَ الله في الأبناءِ مثلَهم، و أرشدهم سُبْلَهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)