لقد بدأت الحقيقة أيها القمر تتوارى معك في حجاب الغيب فلَّا تلبثت قليلًا يا صديقي السماوي الذي آنست منه معنى الخلود، والذي لم أكد أصادقه حتى ملأ قلبي من نور السماء وجمالها وجعلني أشعر بمعنى الإخلاص في الصداقة وهو أحد المعنيين اللذين لا يشعر بهما إلى أسعد الناس في الأرض طُرٍّا، ألا وهما الإخلاص في الصداقة
والإخلاص في الحب.
الصداقة كما عرفت منك يا صديقي السماوي لا تكون كذلك حتى تدع الإنسان كأنه يشعر في السراء والضراء بنفسين، فيضاعف له السرور؛ لأن كلتا النفسين تطلب الزيادة منه ويضعف عنه الهم؛ لأن كلتاهما تعمل لنقصه إذ هو همُّ نفس واحدة وتوزعته نفسان ويكون الإنسان في الحالة الأولى كأنه يتلقى روح النعمة لنفسه بروح السرور
من صديقه، وفي الحالة الثانية كأنه يتلقى روح الجزع بروح الاطمئنان، وإن أشقى الناس من لا يستطيع أن يجد إلى جنبه في سَورة الجزع نفسًا أخرى تجزع له باطمئنان ليطمئن في جزعه، وهي الصداقة بعينها، وما يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم.
ولقد نادمتك منذ الليلة يا صديقي بهذا الحديث، فهل ثَملت فملت، أم أنت قد مللت؟ حاشا أن تكون كالأصدقاء في هذه الأرض تقدر فيهم آجالُ العواطف الرقيقة بالساعات فكأن الإنسان يقرأ في قلوبهم رسائل مُوجزة يفرغ منها قبل أن تفرغ أفواههم من كلمات التحية والتملق وغيرها من الأشواك اللينة التي أحاط لله بها هذا الورد من شفاههم ...