ولا يكون للرسالة منها حظ من إطالة النظر إلا إذا كان فيها هم يشغل النفس فيكون عمرها بمقدار اختبال الفكر فيها ... ! أنا منك أيها القمر منذ الليلة كالعقل المنكمش في ظل القصيدة الحكيمة من الشعر السري البليغ؛ تنير له الأبدية بأشعة معانيها لينفذ بالنظرة الصادقة في أعماق الحياة.
وقد نظرتُ طويلًا وملأت عيني من نورك وجعلت ما يعترضني معنى إلا بادرت أبِدُّة النظر [1] وأرسل على حقيقته من هذا الضياء، وها أنا لم أكد أبلغ أقرب هذه الأعماق من قلب الإنسان؛ ولقد أراك مُستوفزًا تجمع أشعتك في هذه الأنفاس من نسمات السَّحر كما تجمع الحسناء أشعة فكر محبِّها الملتهب بأنفاس التنهد والعتاب، فبماذا أستضيء فيما بقي من هذه الأعماق الكثيرة؟
لعل الحكمة الإلهية لا تعطى للإنسان إلا بمقدار يلائم طبعه، مخافة أن تفرط عليه أو تطغى إذا حمل منها ما لا يتفق وضعفه كالخف [2] الذي يجده المريض في ناشئة العافية: إن اقتصر عليه انتفع به، وإن هو اندفع يطلب المزيد منه انتكس؛ والطبيعة نفسها تخفي عن الإنسان أكثر الحقائق رحمة منها بالعواطف التي هي قِوام نفسه فيحنُّ إلى الأزهار والأشجار مثلًا ولا يعلم أنه يتجذب بشعوره النفسي إلى بقايا الإنسان الذي اغتذت به الطبيعة في الأجيال الغابرة وما يليها. فكأنه
(1) ـ أي أمده إليه مدٍّا.
(2) ـ هو النشاط يجده المريض حين يتماثل.