الصفحة 13 من 128

إلى حين تكون هي في حاجة إلى الدموع، ولقد شعرت مرارًا بحركة عقلي في تصفُّح الأسفار، واضطراب نفسي في متاحف الآثار، واختلاج قلبي في معابد الطبيعة التي قامت الجبال في بنائها لأنها أحجار؛ فما أفدت من كل ذلك ما أفدتُه من دمعة تفور في صبيبها كأنها روح عاشق يطاردها الموت بين يدي حبيبها فإن في هذه الدمعة ثواب كل آلامي، ويقظة كل الحقائق من أحلامي.

وما زلت حائرًا في أمر مشتبه لا أصيب الوجه فيه، فلا أدري إذا كانت هذه الدموع المتساقطة تنقض من بناء الحياة لينهد، أو هي تضاف إليه ليشتد: فإني أرى أقوامًا يحيَوْن بالدموع وآخرين يموتون بها، ولعل عين الإنسان مُلئت بالدموع من أصل الفطرة لتكون منها خنادق مستفيضة حول الروح فلا يقتحمها الفكر ولا يُرى أبدًا إلا ظاهرها، ولولا ذلك ما بقيت الروح من أمر لله، أولسنا نرى الذين يبكون كثيرًا من الحكماء والجهال على السواء يؤملون أن يدركوا من أسرار الروح كثيرًا إذ يرون تلك الخنادق قد أخذت تمجُّ ما فيها فكأنهم بالماء قد غِيض وكأنهم بالأمر قد قُضي؟

ولكن الإنسان ليس إله نفسه؛ فهو يبكي صابرًا ويصبر باكيًا، ومتى انكشفت أرض الخنادق الروحية ظهرت فيها حفرة القبر، وكانت آخر دمعة تجف منها هي دمعة الموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت