الصفحة 12 من 128

ليس كل مَن عَصَر عينيه فقد بكى؛ إن البكاء لأشرف من ذلك، وكما يكون الضحك أحيانًا حركة في الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت، كذلك يكون من البكاء ما هو حلم الأسى؛ لأن في العين حاسةً لا بد من تمرينها أحيانًا تُسمى حاسة الدموع.

وما إن لقيت باكيًا إلا رأيت وجهه مقبلًا عليَّ كأنه يسألني: ترى من أين يُذبح الإنسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه؟ ذلك لأن الدموع لم تَعُد على طبيعتها دموعًا، بل هي علامات الألم أو السخط. الألم من المخلوق والسخط على الخالق، فهي ألفاظ من لغة العجز قد تكون أفصح منها في الأداء كلمات السفاه والغيظ والحنق وما إليها.

ولكن الباكي بها لا يجد من قوة الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق التي لا تمتلئ، مع أن نفس الحر تَئِدُ فيها كل يوم ألفاظًا كثيرة من عبارات الذل والتمليق فلا ينطق بها، وتئد فيها نفس الذليل كلَّ ألفاظ الإباء والأنفة فلا ينطق بواحدة منها، وذلك لعجز الباكي ولضعف إحساسه بالذل السياسي، أو لضعف قلبه بالتقوى التاريخية، فيرفع صوت روحه وهي تتكلم من العين بهذه المعاني السائلة التي نسميها الدموع.

أريد أن أبكي بكائي الطبيعي أيها القمر، لأنه يخيل إليَّ أن حقائق كثيرة تغتسل بدموعي؛ وإني لا أكون في حاسة إلى البكاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت