الصفحة 11 من 128

..... والآن وقد طلعت أيها القمر لتملأ الدنيا أحلامًا وتُشرف على الأرض كأنك روح النهار الميت ما ينفك يتلَّمس جوانب السماء حتى يجد منها منفذًا فيغيب، فهلمَّ أبثك نجواي أيها الروح المعذب، وأطرح من أشعتك على قلبي لعلي أتبيَّن منبع الدمعة التي فيه فأنزفها. إن روحي لا تزال في مذهب الحس كأنها تُجهش للبكاء ما دامت. هذه الدمعة فيه تجيش وتبتدر، ولكن إذا أنا سفحتها وتعلقت بأشعتك الطويلة المسترسلة كأنها معنى غَزلي يحمله النظر الفاتر فلا تُلقها على الأرض أيها القمر، فإن الأرض لا تقدِّس البكاء، وكل دموع الناس لا تُبلُّ ظمأ النسيان ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضًا.

أرأيت أيها القمر هذا النهر الصافي الذي يجري كأنه دموع السحر من أجفان هاروت وماروت. ويطرد بجملته كأنه قطعة من السماء هاربة في الأرض؛ وهل تُبصر في شاطئه تلك الشجرة الناضرة الممتلئة بالأوراق كأنها مكتبة يتصفَّحها الهواء؟ هذه هي مثال الفلسفة الطبيعية، فكل حكيم لا ينبت على شاطئ الدموع الشريفة فهو فيلسوف جافٍ كأنه مصنوع من جلود الكتب؛ وما دمعتي إلا النهر الذي نبتُّ في شاطئه، وهي أطهر شيء وأصفاه؛ لأنها مخلوقة من ثلاثة عناصر تقابل العناصر السماوية من الحب الذي يقابل عنصر النار، ومن اللين الذي يقابل عنصر الهواء، ومن البكاء الذي يقابل عنصر الماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت