بعينين في أنفه [1] ... ولا يستحي الغبي أن يقول لك إن في الزهرة معنى جميلًا، كأن في أنفه عقلًا من العقول العشرة ... !
فمن أحبَّ ورأى حبيبته من فرط إجلاله إياها كأنها خيال مَلَك يتمثل له في حلم من أحلام الجنة، ورأى في عينيها صفاء الشريعة السماوية، وفي خديها توقُّد الفكر الإلهي العظيم، وعلى شفتيها احمرار الشفق الذي يخيل للعاشق دائمًا أن شمس روحه تكاد تمسي: ورآها في جملة الجمال تمثال الفن الإلهي الخالد الذي يُدرَس بالفكر والتأمل لا بالحس والتلمُّس، فأطاعها كأنها إرادته واستند إليها كأنها قوته، وعاش بها كأنها روحه - فذلك هو الذي يشعر بحقيقة الحب ويفهم معناه السماوي، وهو الذي يقول لك صادقًا مصدوقًا. إن كل لفظة من لغة الطبيعة في تفسير معنى الحب كأنها صَلصلة الملك الذي
يفجأ الأنبياء بالوحي في أول العهد بالرسالة.
ليس كل ما يعجبك يرضيك، ولكن كل ما يرضيك يعجبك، فالجمال الوصفي الذي يقاس بالنظر ويخرج منه الفكر بنسبة هندسية، جمال صحيح وحريٌّ أن يكون معجِبًا؛ ولكنه على كل حال بناء جسمي كالقصر المشيد الذي يعجب الفقير المعدِم فيتمناه، فإن هو صار له خاليًا لم يُرضِه، لأنه لا يلتحف سقوفه المموهة، ولا يفترش أرضه الموطأة، ولا يلبس جدرانه الموشَّاة، ولا يقتات من هوائه الطلق؛
(1) ـ منخريه.