الصفحة 16 من 128

أما الجمال الذي يُرضِي فهو الذي يشفُّ عن صورة روحك بغير ما يخيلها لك ماء الحياة العكر - هذا الذي لا يشفُّ عن شيء ولا يزال يضطرب فيجعل شبحك في اختلاطه كأشباح البهائم يُخلق كل منها خلقًا جديدًا كلما ضربت البهائم في الماء بأرجلها - فترى من ذلك الجمال كأن ملكًا هبط عليك من السماء وفي يده مرآه فنظرت فإذا صورتك بعينها ولكنها في يد ملك.

وقليل أن يجد الناس مثالًا من ذلك الجمال، فكثير منهم يجحدون ويرونه ضربًا من الوصف الشعري الذي يظهر في خلقه وإبرازه مقدار ما في الشعراء من روح لله؛ وإنما يجحد مثال الجمال الكامل من لا يستطيع أن يكون مثال الحب الكامل، وإذا كانت المرآة قد علاها الصدأ فكيف يعلوها الوجه الجميل، وكيف تخلُصُ إلى روحك من طين هذه الكأس الزجاجية (المرآة الصدئة) نشوة الجمال ولو سُكبت فيها حور الجنة كل ما في خدودها؟

ولقد قيل: إن قومًا من العرب ترحلوا عن بعض منازلهم فكان من أنسائِهم [1] قطعة مرآة صقيلة كأنها وجه المليحة التي نسيتها، فمرت بها ضبع كأشأم ما خلق لله قُبح طلعة وجهامة منظر، حتى كأن في وجهها تاريخ الجِيف التي اغتذت بها، فوقفت عليها تَعجب من إشراقها

(1) ـ الأنساء: ما ينساه القوم المترحلون من هنات المتاع وكان العرب إذا تحملوا قالوا: انظروا أنساءكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت