وسنائها، وما كادت تنظر فيها حتى راعها وجهها ولا عهد لها برؤيته من قبل؛ لأن لله رحيم، ومن رحمته أن لا تعرف الوحوش أنها وحوش، وأن لا تجد أسباب هذه المعرفة، فانقبضت الضَّبُع وزوت وجهها وقالت: من شر ما اطرَحَكِ أهلُك أيتها المرآة ... !
فجمال هذه الضبع الذي جحدته المرآة كما يجحد الكافر رحمة لله وحسنها الذي أحالته المرآة قبحًا كما يخيل الطبع اللئيم كل حسنة تتصل به إلى سيئة. هما أشبه شيء بالعقل والقلب في المحب الأخرق الذي يحب حواسه فتجوع روحه وتشبع وتعتل بالتخمة أيضًا ... وكم في الناس من مثل هذه الضبع، وكم في الحسان من مثل تلك المرآة! أحس وما أحسب الإحساس إلا نكتة صافية في القلب تقابل نكتة العين التي يكون بها البصر، فكل ما انطبع في هذه انطبع في تلك، لكي تكون الروح بين مرآتين فيسهل عليها أن تدرس الحقيقة بالمقابلة، فإذا نزل الشاعر الدقيق الحِس بروضة غناء نضرة أحس بقلبه كأنما يخضر بعد يُبس، وإذا أطل في الغدير الصافي أحس بمعنى الماء ينساب في عروقه، وإذا نظر إلى وجه الجميلة الحسناء فلماذا لا يحس أن قلبه امتلأ جمالًا حتى كأنه لا يعشق منها إلا شيئًا في نفسه؟
بلى وأكثر من ذلك، فإن الشاعر ليكتب عمن يحبها فيرى كأنه ينفخ في كل كلمة معنى من الحياة؛ لأنه لا يكتب كلامًا بل يخط صورة قلبه؛ والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة؛ لأنها لا تجتمع