الصفحة 22 من 128

حينما يحرص الزمن على أن لا يخطئ في حسابنا نحرص على أن لا نخطئ في حسابه!

وأنا لا أقول بإغفال الوقت وإرساله كأنفاس المختنق: لا تذهب من الحياة ولكن تذهب بها، فإن هذا قد كان في عهد آبائنا وآباء التاريخ حين كان الليل ساعة فلكية للطبيعة وكانت النجوم أرقامها ثم كانت دقاتها صياح ديك عند جماعة ونهيق حمار عند آخرين.

وإنما أريد أن لا يحاسب أحدنا ربه بالدقيقة؛ فإذا سبب له من وقته طربًا أو ساق إليه فرصة حظ من السعادة فليطرب ولينتهز من فوره ولساعته وليأخذ ما آتاه بقوة؛ فإن الدقيقة الواحدة التي يتفلسف فيها وقتئذ ربما كانت هي الطريق الذي تمر منه [1] يقال أباعه: إذا عرضه للبيع؛ وباعه: إذا وقعت الصفقة وفرغ منه.

الفرصة إلى ما وراء الزمان فتلحق البعيد بالبعيد من الأبد حيث لا يتعلق بها شيء من أوهام ذلك الفيلسوف المفكر ولو خرجت روحه تشتد وراءها عدوًا.

فإذا اتفقت لي هنيهة كالتي انتهت الآن بهدية الروح إلى القلب فقلما يعنيني مقدارها، بل أنا أحسبها كما أشاء ولا أذكرها إلا ذكرة الهرِم يوم ميلاده بعد أن أسند في حدود المائة، فاعتبر مقدارها بسنة وبمائة سنة، ما شئت من قليل وما شئت من كثير؛ لأنها أصبحت لي لا للتاريخ ولا للساعة. وقد تكون لي ذكرى الحياة كلها فلا أسلمها في يد الغيب إلا مع آخر نفس من أنفاسي. ومع ذلك فإني

(1) ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت