حنانيك يا قمري الجميل ورحماك! امسح عن قلبي هذه الغيمة السوداء التي انتشرت من أجنحة الذباب، فقد رانت عليه وغشَّي ظلها على بصري حتى ما أراك على وسامتك وضيائك إلا كوجه من تلك الوجوه متى تصطبغ بكل لون إلا ما كان من الخلق الحسَن فإنها تستمد من قلوب يكفي أحدها أن يكون طينه لخلق نوع من الإنسان بلا أخلاق! حنانيك ورحماك! إن على قلبي غيمة كأنها من الكذب الذي لا صدق معه من القلب، والتملق الذي لا حياء فيه من النفس، والخيانة التي انعقد عليها الضمير فلا تحفظ غيب
إنسان، والصلف الذي يشبه صلف المعتوه إذ يباح له أن يتجنى ولا يباح لك أن تعتب والظل الأخلاقي البارد الذي يحيط بأحدهم فيجعل مثواه كأنه مغارة تبعث عليك أنفاسها ثقيلة باردة في ظلمة وكبرياء كأنها خارجة من أعماق تاريخ الفراعنة.
وإني كما أغمض عيني حين يواجهني الإعصار الأحمق الذي ينفض بساط الأرض في وجوه السابلة - أراني منذ الساعة قد أغمضت عينًا في قلبي تطلع على الحقيقة، فإني لم أكد أرفع كأس الحكمة المعسولة لأحتسيها ولم تكد تقارب شفتي حتى تهافت عليها ذباب تلك الأخلاق، فأحرزتها جانبًا لتسكن نفسي بعد أن خَبُثت من منظر هذه الظلال السوداء التي هي أجسام نفسها وظلالها معًا.