الصفحة 47 من 128

أن يطمئنوا لدين من الأديان، وإنك لترى الشاعر يستلُّ جمال هذه الطبيعة كلها من نفسه الكبيرة ليلقي على الناس محبة منها، كأن الطبيعة لا تجد طريقًا إلى النفوس الضعيفة إلا بعد أن تصفى وتصفق في نفوس الشعراء فتخرج منها كما تنبعث المعاني الغزلية الكبيرة من عيني الحسناء الفاتنة ولكل معنى طابعه الخاص به في النفس مع أنها جميعًا من مصدر واحد.

ما هذه العظائم الكبرى التي يمثل بها الزمن تاريخ العقل الإنساني إلا أفكار ولدت بديئًا في قرائح الشعراء، ثم كفلتها الطبيعة تحملها في مهد من قلب امرأة جميلة، أو تمتهد لها في عقل رجل حكيم، أو فيما تختاره هي كائنًا ما كان، حتى في الاستبداد والوحشية والحماقة والجنون وغيرها؛ لأن للطبيعة حكمتها التي لا يعرف كنهها الإنساني إلا باستقراء تاريخ الأشياء في أجيال وقرون قبل ذلك كثيرة، وهو نفسه بعضهذه الأشياء.

فالشاعر الزائف كالدينار الزائف: كلاهما لا يجوز على أحد إلا مع الغفلة؛ وكلاهما رذيلة في نفسه بالغش ومصيبة على غيره بالخسارة.

وإن الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجني العسل، وإنه ليطن في الروض كما تغرد الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة؛ ثم يطير عن الزهرة ذبابًا كما وقع ويسكت ذبابًا كما طن، وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذبابًا؛ ولكنه من الطير، ولكنهم من الشعراء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت