هذه الوجوه التي صلبت من التمرغ على الأعتاب، وهذه الأيدي التي ينكرها لله حين تُمد ... وهذه الرءوس الفارغة إلا من جنون العظمة، وهذه القلوب التي تسع كل متماثلين إلا الإخلاص وحب الحقيقة، وهذه الأفواه التي تمجُّ الماء في كل جهة، وهذه الألسنة المعقودة على بعض ألفاظ كما يعقد القروي الجِلف تلك العقد الكثيرة في منديله على درهمين - هذه كلها، مجموعة ومتفرقة، مما يتنزه الشعر الإلهي أن يسِف إليها؛ لأن أنفاس السماء لا تسقط هذا السقوط كله ولا يعذبها لله بأن تهب على الأرض لكنس غبارها.
لو عدا الشاعر الصحيح طور التكوين الشعري بصفاته لما كان منه إلا نبي. وإن تلك الأعضاء الشعرية التي يفيض الفكر عليها كلها لهي الأعضاء التي يتجسم بها مجد الأمة ليكون مَلِكًا من ملوك التاريخ لا لصٍّا من لصوصه تشهد معارف وجهه أنه منطلق من حبسه، فيتراءى عليه غبار الأعتاب كأنه بقية مما كان فيه من الظلمة وتراه لا يلوذ من خزيه إلا بزوايا التاريخ المجهولة ويود بجدع الأنف لو يمسخ حجرًا من أحجارها التي كل عذرها في الخراب.
الشاعر الصحيح رجل الكمال السماوي؛ لأن الشعر إذا لم يكن مع الشرائع كان عليها، وفي ذلك فساد كبير؛ والشعراء أنفسهم: كالشرائع تكون لمن يشاء أن تكون له؛ وهم يحكمون النفوس بالحب، والشرائع تحكمها بالرهبة، ولولاهم ما أعُطي الناس قوة فهم التعزية فلم يكن لهم