الصفحة 52 من 128

ولو لم تكن في الأرض هذه الوجوه الجميلة لما صلُحت الأرض للحياة العاقلة ولا نشأ فيها عقل واحد يستطيع أن يجد دليلًا على وجود لله، فإن تلك الوجوه الفتانة - بما تحوي من المعاني التي تشبه في إقناعها للنفس من النظرة الأولى ما تحويه أقوى البراهين المنطقية - إنما هي في الحقيقة الصفحات الأولى من كتاب المنطق الإلهي؛ واعتبر ذلك بهؤلاء الملاحدة الذين ينكرون الخالق فإن أخبثهم

إلحادًا لا يكون إلا أشد الناس بغضًا لطهارة الجمال.

لم يدعني ثغرها البسام أصعد إلى السماء في شعاعه؛ بل ألقى عليَّ ابتسامة في نظرة ضاحكة تشابه الابتسام كأن إحداهما أخت الثانية؛ فما أحاطت بقلبي حتى رأيته يذوب فيها كما يذوب السحاب الغَدِق الأسحم فيصفو عن غمامة رقيقة بيضاء.

وكأن تلك المليحة أغارتك أيها القمر، فأنت الآن تبتسم. لله منكما يا صورتَي الجمال في الأرض والسماء! وهل جعل لله لرجل من قلبين في جوفه؟ ولله ما ألطف هذا الشعاع الذي يسيل الآن على الجو رقيقًا خضِرًا كأنما تغتسل به نسمة من النسمات العطرة بعد أن استيقظت في هذا الليل ونهضت من فراشها على أغصان الورد!

ولله ما أنداه على كبدي الحري التي تغيب الشمس ويبقى فيها مع ذلك لفحة من حرِّها ومن حر أنفاس الذين تشرق عليهم، فإن هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت