الكبد أمسكت في جنبي كأنها «معمل كيماوي» لتحليل تلك الأنفاس وتقدير ما فيها من الخير والشر، وما الحكمة كلها إلا ما أسفر عنه هذا التحليل.
فمن لم يدرس طبائع القلوب المتوهجة في أنفاس أهلها لا يعلم قلبه شيئًا وإن كان رأسه مكتبة من العلوم، ومتى كان القلب جاهلًا بقي الإنسان بعلومه كأنه قطعة في أداة هذه الطبيعة: كل شأنها أن تحرك بعضها وتتحرك ببعضها، وفَقَدَ السلطان الحقيقي على الطبيعة نفسها؛ لأن هذا السلطان لا يكون بالقوة التي هي غاية العلم، فالطبيعة على كل حالة أقوى، ولا يكون بالتسخير الذي هو غاية العمل، فالطبيعة حرة لا تذل، أبيَّة لا تخضع، وإن ظهرت عليها الذلة والمسكنة فذلك في نظر الإنسان واعتداده ليس غير.
وإن الهواء لا يعجب من منطاد يعلو فيه - وإن كان غاية ما انتهى إليه اختراع الإنسان - إلا إذا عجب من كل ذبابة تطير والبحر تتمخَّر فيه الجواري المنشآت كالأعلام وتثبت عليه كالمدن وتمثِّل فيه الأرض المائية التي خلقت في أذهان الإنجليز. وإن صغرى أسماكه لتكون أصلب منها على مجالدته، وأقوى على مجاهدته، فما للإنسان يلوك بين ماضغيه هذه الألفاظ التي يحاول أن يشبع منها مَعِدة الخلود في وهمه ولا تراه الطبيعة إلا من غذاء النسيان؟
السلطان الحقيقي على الطبيعة سلطان الروح؛ لأنها من لله وهذه