الطبيعة أداة في يد لله، فليجعل الإنسان شفتيه مخزنًا لغويٍّا مملوءًا بألفاظ العلوم؛ فإن الطبيعة لا تبالي بمدلول الحروف مهما حملها على ذلك باصطلاحه: ولكن ليجعل في قلبه علم الخير وإحالة الشر إلى الخير: فإن الطبيعة حينئذ لا يسعها إلا أن تخضع بإحساسها خضوع الإجلال لأستاذ تلامذتها وترفع إلى لله على يده تعازي المساكين كأنه الأمين على آمال القلوب، وتجعل الطبيعة هذه اليد نفسها كأنه شكر منها لله تعالى إذ أنجبت رجلًا من رجالها في الأرض.
كم من عالم لا ترى الطبيعة اندفاع الكلام العلمي من شفتيه إلا كما يرى أحدنا اندفاع أسراب الخفافيش العمياء من جانبي المغارة وقد أبرزها على إشراق الضحى صبي من الصبيان! وسيكون أكثر هذه العلوم في معاملة لله كالثروة التي يمتلكها الفقير في حلم من أحلامه (الذهبية) فيستعبد بها من شاء من مخلوقات النوم ... ويمتلك ما شاء من زخارف الليل، حتى إذا جلا النور عينيه لم يستطع أن ينال بكل ذلك الغنى العريض
كسرةً من الخبز يتبلَّغ بها وقد بات طاويًا؛ فإن لله لا يعامل إلا بالنية ولا يُثبت في سجل الحسنات إلا الأرقام القلبية؛ فدع هذه المدينة وهذه العلوم تنزع ما في قلوب أهل الخير من الخير فإنك لن ترى على الأرض يومئذٍ من الناس إلا حيوانات عالمة تأكل حيوانات جاهلة: وهل تحسب قوة الحيوان المفترس بإزاء ضعف ما يفترسه إلا علمًا أو معنى كالعلم بإزاء جهل أو معنى كالجهل؟
ويومئذٍ لا تبصر الطبيعة بعينها الإلهية شيئًا من الفرق بين أنفس