الصفحة 55 من 128

الوحوش وأنيابها ومخالبها، وبين كتب العلماء وأيديهم وأقلامهم، تلك جميعها إنما تكون في الجهتين صماء لحرفة أدوات حيوانية هي حرفة العيش.

وأنت ترى الصورة الصغرى لهذا العالَم الحيواني في جماعة الملحدين، فإن تلك الفلسفة وذلك العلم اللذين يزعمونهما ويتنبَّلون بهما في الناس إنما يدلان على أشياء كثيرة يتداخل بعضها في بعض كالمترادفات اللغوية، ثم تراها كلها قد صارت إلى معنى واحد يدل على الحقيقة التي هي أم هذا الباب - كما يقول النحاة - وهذا المعنى الذي لا ريب فيه هو انتزاع الخير من قلوبهم المتهكمة بالله.

ولست أصدِّق أن ملحدًا يعمل لخير الناس ابتغاء الخير نفسه، فإن حدثوك بخبر من ذلك فاعلم إنما يريد به الرجل برهانًا على صحة إلحاده الإنساني ... يخدع به من يقدم له الخير أو من يراه وهو يقدمه؛ فإنه لسخافته يكفر بالله ويريد أن يعمل بعض عمل لله!

وما من شيء خبيث نعتدُّه شرٍّا إلا وفيه وجهة تخرج منه الخير، وهذه الجهة في الإلحاد هي الغرور والوهم، فلو أصبت إلحادًا لا غرور فيه ولا وهم فاعلم أنك أصبت عقلًا في مجنون أو جنونًا في عاقل، وليس ذلك بدعًا فإن في كل دائرة نقطة تعدها الغاية التي يرتقي إليها طرفا المحيط إذا نظرت إليهما صاعدين نحوها فإن نظرت إليهما منحدرين عنها كانت هذه النقطة عينها مبدأ السقوط ولم يكن ثمة فرق بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت