الصفحة 68 من 128

وهذه الإرادة هي المعنى الذي ينتظم الثلاثة فهو على انفراده بالثلاثة جميعًا؛ لأن علم العدد في عُرف الطبيعة يناقض أحيانًا العلم الذي نعرفه مما تتكرر فيه الوحدة كلما تكرر العدد، فلا يمكن في (حسابنا) أن يكون الاثنان واحدًا؛ لأنهما اثنان ولكن الطبيعة في حساب الحب مثلًا تعدُّ الحبيبين واحدًا، ولا تعدهما كذلك إلا لأنهما اثنان! الطبيعة جميلة، بل هي فوق أن تكون جميلة؛ لأن هذه اللفظة (الجمال) واحدة من الاصطلاحات المبهمة التي تمثل تصور الإنسان اللغوي، فقد تعاون أفراد هذا الإنسان الضعيف على أن يخلقوا الطبيعة خلقة معنوية فصوروها باللغة وضبطوها على عِظمها كما يضبط تاجر اللؤلؤ حساب ما في حقيبته الصغيرة لا حساب ما في البحار وجرَوا في أكثر المعاني السامية هذا المجرى. فربَّ معنى تجده ملء السموات والأرض وما تجد له من صفة تحَدُّ إلا وهي حد لصفة أخرى، ومع ذلك تراهم يدمِجونه في لفظة واحدة مُقتَضبة لا ليعرف بها معرفة صحيحة تَصفه كما هو! ولكن ليؤثر التأثير الذي يقوم في الإنسان مقام المعرفة الصحيحة، فإن الناس يعيشون بهذا التأثير في معظم أمورهم ويعتدُّونه علمًا وإحاطة.

وهذه اللغة الناقصة التي تصوِّر الطبيعة وتحدها، هي في ذلك كالعين التي ترى الطبيعة لتصفها باللغة - وما اللغة في الحقيقة إلا نظر عقلي بل هي ألفاظ النظر - وما العين من الطبيعة إلا كالمرآة التي تقابلك بالشيء كما هو لتفهمه أنت كما تريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت