فلفظ «الجمال» مما يؤثر في النفوس، وقد يصحُّ أن يكون وصفًا تامٍّا لشيء معين كجمال الحسناء، فإن العين تعرِّفها بديًا بأوصافها ثم يعرِّفها القلب بمعانيها، ثم يعرِّفها اللسان فيقول إنها جميلة، فتلبسها اللفظة لا تضيق عنها ولا تقصُر؛ لأنها فيها مرونة النظر والإحساس معًا، ولكن ذلك اللفظ بعينه لا يلبس الطبيعة ولا يصف للنفس جمالها بل يكون منه كقطرة الماء في البحر: تجري فيه ويجري بها وليست من صفته ولا تكوينه فيشيء إلا في القياس المنطقي، وأهون بالإنسان ومنطقه في حقائق الطبيعة.
ومن البلية - ولا بلية مثلها - أن الإنسان لا ينفك يحمل في رأسه فكرًا ماديٍّا هو حقيقة عيشه في هذه الدنيا، فإذا عَرَض له شيء من جمال الطبيعة أسرع هذا الفكر المبتذل فملأ العين وأطل منها فلا تنفذ صفة من صفات الجمال الطبيعي إلا بسلطان منه، فيرى هذا الإنسان الشيء الجميل وكأنه يحدِّث عنه نفسه الخرساء بأصابع الأعمى الذي يتعرف الأشياء بلمسها، وعلى مقدار ما في الإنسان من هذا الفكر القبيح يكون مقدار قبح الطبيعة الجميلة في عينيه.
وكأي من رجل يمر بين الرياض والبساتين التي هي غزَل الأرض ولا يقدر ما فيها من الجمال إلا بمقادير أثمانها ... وآخر يرتقي الجبل الوَعر الأشم الذي هو حكمة الشعر الطبيعي ولا يعيبه إلا بأوعاره وأحجاره التي لا تلائم دَعته ورفاهته وإن كانت هي في نفسها محاسن الجبل، وثالث يرى البحر الذي هو فكر الطبيعة السيال فيفرَقُ حتى