كأنه يرى الموت يتدحرج في أمواجه ليختطفه من الساحل؛ وهكذا ترى الفكر المادي يلبس كل شيء بذلة من بذل المصانع والحوانيت أو كفنًا من أكفان القبور أو ثوبًا من أثواب الحداد! وأحسب أن التاجر المفلِس إذا تأمل في أوراق الوردة الناضرة التي تشبه أن تكون تاريخ ساعة خجل في خد العذراء فإنه لا يرى فيها إلا أرقام دفاتره التي هي تاريخ النكبات والخراب!
فمن أين يجتلي الإنسان جمال الطبيعة وأنى له ذلك وقد مسخها هذا المسخ كله ولم يأخذها من يد لله كما وضعها، ولكن تناولها من فكره كما صنعها، فجاءه بها من ناحية همومه كأنها همٌّ جديد أو ذكرى همٍّ قديم؟ إذا أردت أيها الإنسان أن ترى جمال شيء من الطبيعة فأجعل عينك أقرب إليه من فكرك، بل انزع فكرك هذا، إلا الخفيف منه كما تنضو ثيابك إذا طلبت السباحة في البحر، وإلا الطاهر منه كما تخلع نعليك إذا أردت الصلاة في المسجد، وإلا الصافي منه كما تطرح شغل قلبك إذا وقفت بين يدي لله، فإن أنت سبحت بثيابك فإنما تمثل الغرق؛ وإن دخلت المسجد بنعليك النجستين فإنما تمثل الإلحاد، وإن واجهت ربك وأنت مشغول بنفسك عنه فإنما تمثل نفاق الشيطان؛ وإن نظرت إلى الطبيعة من فكرك المادي فإنما تمثل العمى الطبيعي ...