فلا تجري إلا على قبرها ولا تنبعث خطوةً إلا كانت لها فرارًا أو ما يشبه الفرار من الموت وكأنها في ذلك البحر اللجيِّ إنما هي روح الأرض أنشأت تهتزُّ وتضطرب.
فلتكن أيها المحزون أكبرَ من همومك وأحزانك بالغة ما بلغت، وإذا كان الموت يعدُّ شرفًا لمن مات مدافعًا عن الحقيقة مهما كان وفي أي صورة تمثلت، فإن البقاء في الحياة يكون أحيانًا أعظم شرفًا منه لمن يدافع مصائب هذه الحياة عن ضميره فلا تستبيحه ولا تزعج الفضائل الإنسانية التي اعتصمت به.
وإذا اشتبكتَ أيها المحزون بهذه الآلام فكن قويٍّا على مصارعتها، وقد تصرعك مرة إذا بَدَرتْ منك غفلة، فلا تكن حينئذ جبانًا في النهوض كما كنت جبانًا في الوقوع، وليست فضيلتك في أن تنزل على حكم كل ضرورة، فإنك عند حكمها طوعًا وكرهًا ولكن الفضيلة أن تعرف في نزولك من جهة كيف تصعد من جهة أخرى؛ وما دمتَ حركة من حركات الفلك فلا تحاول أن تقف به عن مسيرة لهوى يعترضك أو تحرفه إلى جهة تَعِنُّ لك فتتلاشى ويستمرُّ الفلك سائرًا، وإني رأيت دُوامة الماء لا تلتوي عن تيار النهر إلا لتفتح لنفسها قبرًا فيه، وإذا لم تكن قادرًا أن تنال ما تطمع فيه فلتكن قادرًا أن لا تطمع فيما قُطعت عنك أسباب نيله، فإن غاية القدرة في الحالتين الرضى، وأنت في أكثر ما تعاني إنما تتألم بأوجاع الناس من حيث