وقد ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسرًا، وأنهم كانوا أناسًا، ثم صُوِّروا بعد موتهم وعُبِدوا. وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميت صوروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بِزَّتَة إن كان رجلًا وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب. فإذا أصاب أحدًا منهم كرب أو تجدد له مكروه فتح الباب عليه وجلس عنده يبكي ويناجيه بكان وكان، حتى يكسر سَوْرَة حزنه بإهراق دموعه،ثم يغلق الباب عليه وينصرف عنه، وإن تمادى بهم الزمان يعبدوها من جملة الأصنام والأوثان. فعلى هذا التأويل إن قلنا: إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا، فليس ينقل عن ذلك حكم، وإن قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا فيكون نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصور نسخًا وهي المسألة الخامسة، على ما بيناه في قسم الناسخ والمنسوخ قبل هذا.
وإن قلنا: إن الذي كان يصنع له الصور المباحة من غير الحيوان وصورته، فشرعنا وشرعه واحد.
وإن قلنا:إن الذي حرم عليه ما كان شخصًا لا ما كان رقمًا في ثوب، فقد اختلف الأحاديث في ذلك اختلافًا متباينًا بيناه في شرح الحديث، لُبابُه أن أمهات الأحاديث خمس أمهات:
الأم الأولى:ما رُوي عن ابن مسعود وابن عباس، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، أَو هُم أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا، وهذا عام في كل صورة.
الأم الثانية: رُوي عن أبي طلحة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ ) ، زاد زيد بن خالد الجهني: ( إِلَّا مَا