ولأبي داود أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: (( إنما الوضوء على من نام مضطجعًا ) )وفي إسناده ضعف أيضًا.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( يأتي أحدكم الشيطان في صلاته, فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث, ولم يحدث, فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ) )أخرجه البزار، وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، ولمسلم: عن أبي هريرة نحوه.
وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا: (( إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت, فليقل: كذبت ) )وأخرجه ابن حبان بلفظ: (( فليقل في نفسه ) ).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
يقول المصنف -رحمه الله تعالى-:
وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتوضأ من لحوم الغنم? أتوضأ من لحوم الغنم؟ الأصل: أأتوضأ؟ فحذفت همزة الاستفهام لعدم اللبس، وللثقل، أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (( إن شئت ) )قال: أتوضأ من لحوم الإبل? قال: (( نعم ) )في لحوم الغنم رد الخيرة إليه، يحيل إلى أن أكل لحوم الغنم لا ينقض الطهارة، بخلاف الأكل من لحم الإبل -لحم الجزور- فإنه ينقض الطهارة، ولذا أدرجه المصنف في باب نواقض الوضوء، والحديث صحيح، مخرج في صحيح مسلم، إذن كيف يقول جمع غفير من أهل العلم -إن لم يكونوا الأكثر- ففيهم إمامان من الأئمة المتبوعين كيف يقولوا بعدم النقض مع صحة هذا الحديث وصراحته؟ قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (( نعم ) )وفي الباب أيضًا حديث البراء، وهو صحيح أيضًا ومخرج في السنن: (( توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم ) )ونقل ابن خزيمة الاتفاق على صحة الحديث، ولا إشكال في صحة الحديثين ولا مطعن فيهما، ولذا قال الشافعي: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، ومعروف أن مذهب الشافعية عدم نقض الوضوء بالأكل من لحم الإبل.
فالإمام أحمد ومالك في المشهور عنه وجمع غفير من أهل العلم من أتباع الإمام الشافعي وغيره يقولون: بأن الأكل من لحوم الإبل ينقض الوضوء، استدلالًا بهذين الحديثين، والشافعي وأبو حنيفة في المعروف عنهما يقولان: لا ينتقض الوضوء بأكل لحوم الإبل، وإذا نظرنا إلى المسألة وجدنا أن الإمامين في مقابل إمامين وتسلم النصوص عن المعارض، فلا محيد ولا مندوحة عن العمل بهذين الحديثين، كيف يظن بمثل الشافعي .. ؟ أولًا: الشافعي لم يثبت عنده خبر جابر ولا خبر البراء، ومن باب أولى بالنسبة لأبي حنيفة؛ لأن الشافعي أعلم بالحديث من أبي حنيفة، وكل على خير -إن شاء الله تعالى- وهما إمامان من أئمة المسلمين، إماما هدى لا يقدح فيهما، لكن لا يلزم أن يطلعا على كل شيء، وأن يعرفا كل شيء، الشافعي جاء بالقاعدة المطلقة عنده:"إن صح الحديث فهو مذهبي"وللسبكي رسالة:"في معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي"وقال كثير من الشافعية بمسائل لم يثبتها الإمام؛ لأنه صح فيها الخبر على مقتضى هذه القاعدة.
قد يقال قائل: كيف يظن بالشافعي وأبي حنيفة وأتباعهما أنهم مع صحة الحديثين نعم من خفي عليه الخبر معذور لكن من عرف مثل هذين الحديثين الصحيحين، استدلوا بأدلة، من أوضحها في الدلالة حديث جابر قال:"كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار"ترك الوضوء مما مست النار،"كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار"، ولحم الإبل تمسها النار وإلا لا تمسه؟ تمسه النار؛ لأنه لا يؤكل نيئًا، بل لا بد أن يكون مطبوخًا.
أقول: هذا الحديث متأخر عن حديث جابر والبراء، والعمل بآخر الأمرين هو الأصل، فعلى هذا يكون حديث جابر وحديث البراء منسوخين بالحديث الذي سمعناه، لكن متى يلجأ إلى النسخ؟ هل يمكن اللجوء إلى النسخ أو القول بالترجيح مع إمكان الجمع، إذا أمكن الجمع عند أهل العلم ولو بحمل عام على خاص أو مطلق على
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)