الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن ابن عمر وعائشة -رضي الله تعالى عنهم- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) )وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت"متفق عليه، وفي آخره إدراج.
وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-"إن بلالًا أذن قبل الفجر, فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرجع فينادي: (( ألا إن العبد نام ) )رواه أبو داود وضعفه."
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ) )متفق عليه، وللبخاري: عن معاوية -رضي الله تعالى عنه- مثله.
ولمسلم: عن عمر -رضي الله تعالى عنه- في فضل القول كما يقول المؤذن كلمةً كلمة, سوى الحيعلتين فيقول:"لا حول ولا قوة إلا بالله".
وعن عثمان بن أبي العاص -رضي الله تعالى عنه- قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: (( أنت إمامهم, واقتدِ بأضعفهم, واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا ) )أخرجه الخمسة, وحسنه الترمذي, وصححه الحاكم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"عن ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم-"ضمير الجمع يعود إلى؟ رضي الله عنهم"قالا"عندنا ضمير جمع وضمير تثنية، فضمير الجمع يعود إلى عمر -رضي الله عنه- وابنه وعائشة -رضي الله عن الجميع-،"قالا"القول خاص بابن عمر وعائشة"قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إن بلالًا يؤذن بليل ) )يعني قبل طلوع الصبح (( فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) )الذي يؤذن على طلوع الصبح، يؤذن مع الوقت"وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت"يعني دخلت في الصباح، أصبحت أصبحت قد تقال هذه الكلمة وتراد حقيقتها وهي الدخول الفعلي في الصباح، وقد يراد بها أخذ الحيطة والحذر، أخذ الحيطة والحذر، نعم، قد يتأخر الإنسان بالأكل فيقرب من طلوع الصبح فيقال له: أصبحت، وقد تزيد المبالغة فيقال: أضحيت، خشيت أن يأكل في غير وقت الأكل، والأصل في أصبحت دخلت في الصباح، كما يقال: انجد وأتهم وأظلم إلى غير ذلك مما سبق التنبيه عليه"متفق عليه، وفي آخره إدراج"الإدراج من قوله:"وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت"ليس من أصل الحديث، المدرج ما يزيده الراوي في الخبر، وقد تكون الزيادة والإدراج في أوله، وقد تكون في أثنائه، وقد تكون في آخره، وهو الأكثر كما هنا، والإدراج إما من ابن عمر أو من الزهري، ودليل الإدراج أنه جاء في بعض الروايات عند البخاري: (( إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) )قال:"وكان رجلًا أعمى لا ينادي".. إلى أخره."
المقصود أن الأذان المتقدم على طلوع الصبح لا يمنع من الأكل، كما أنه لا يبيح الصلاة على ما تقدم، بينما الأذان الذي يكون مع طلوع الصبح يمنع من الأكل، ويبيح الصلاة على ما تقدم.
الحديث يدل على جواز اتخاذ مؤذنين، ففي مسجده -عليه الصلاة والسلام- كان يؤذن بلال وابن أم مكتوم، وليس هناك فاصل كبير بين الأذانين، إنما غاية ما هنالك أن ينزل هذا ويصعد هذا، كما في بعض الروايات.
"وكان رجلًا أعمى"الحديث فيه دليل على جواز قبول خبر المؤذن وإن كان واحدًا، فالنداء والأذان إعلام، إخبار بدخول الوقت، والمفترض في المؤذن أن يكون ثقة، فإذا أذن قبلنا خبره، إذا أذن الصبح ما تقول: انظر في التقويم، انظر في الساعة، إذا أذن المغرب وهو ثقة لا تقول: انظر في الساعة هل هو بالفعل، أو انظر إلى الشمس هل غابت؟ لا، يقبل خبره ولو كان أعمى، ولو كان أعمى"وكان رجلًا أعمى"في هذا ما يدل على جواز ذكر الإنسان بعاهته إذا كان القصد من ذلك مجرد التعريف، ولم يقصد بذلك شينه ولا عيبه، تقول: جاء الأعمى، راح الأعمى {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [ (1) سورة عبس] إيش؟ {أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} [ (2) سورة عبس] وهنا"وكان رجلًا أعمى"هل يراد بذلك عيب ابن أم مكتوم؟ أو للحاجة الداعية إلى ذكر هذه العاهة لتعريف السامع بالسبب إذا لم يعرف هذا الشخص، إذا كانت العاهة لها أثر في الخبر كما هنا تذكر، إذا كان الشخص لا يعرف إلا بها كالأعمش
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)