فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 272

مقامة النهي عن الهوى يا أبا القاسم إنّ الذي خلقك فسوّاك (1) . ركّب فيك عقلك وهواك. وهما في سبل الخير والشرّ دليلاك، وفي مراحل الرشد والغيّ نزيلاك (2) . أحدهما بصير عالم يسلك بك في البردين (3) المحجّة البيضاء ويرد بك زرق (4) المناهل.

والآخر أعمى جاهل يخبط بك في بيضة (5) الهاجرة البيد فسواك: فجعلك مستوي الخلقة متناسبها غير متفاوتها.

(2) نزيلك: الذي ينزل معك. ويقال للضيف النزيل.

(3) البردان: الغداة، والعشى. وأنشدني الكبير المنتجب أبو علي محمد بن أرسلان لنفسه بيتا لو وقع في شعر المتقدمين لسيرته الرواة وخلدته الأئمة في كتبهم. وكم من أخوات له ضيع بضياع الأدب وقلة النقلة واتضاع الهمم وتراجع الأمور على أعقابها:

«وبرداه مسحوران مثل هجرة ... كأن ليس فيه بكرة وأصيل»

وما أظن البردين وقعا مثل هذا الموقع منذ نطق بهما واضع العربية.

(4) الماء الأزرق الصافي. قال زهير:

«ولمّا وردن الماء زرقا حمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم»

(5) وبيضة القيظ: وسطه وأشده. في رائية الشماخ:

«طوى ظمئها في بيضة القيظ بعدما

جرى في عنان الشعر بين الأماغر»

ذات المعاطش (1) والمجاهل، فأي دليليك أمهر بالدّلالة وأحذق. وأيهما أجدر بأن يتبع وأخلق. أمن تفوز منه بالهداية وحسن الدّلاله. أم من يفوّز (2) بك في تيه الغيّ والضّلاله. تعلّم (3) أنّه ليس من العدل. أن تستحبّ الهوى على العقل. إنّ جانب العقل أبيض كطرّة (4) الفلق. وجهة الهوى سوداء كجدّة (5) الغسق. إن اتّجه لك أمر فعرضته على نفسك فانظر أيهما إليه المائل. وله القابل. فإن كان العقل فأحربه أن تلتزمه التزام الصّب وتعتلقه. وأن تجعل المعاطش: جمع معطشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت