قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله [1] فيها فقال: (( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) )ثم قال: (( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل ) )بالرفع خبر مبتدأ محذوف وبالجر بدل من ثلاثة (( تحمل حمالة ) )بفتح الحاء وتخفيف الميم هي الكفالة والمراد هنا المال الذي يتحمله الإنسان لإصلاح بين القوم ودفع تخاصمهم [2] والعرب كانوا يعدون ذلك شرفًا ويبادرون إلى معونته (( فحلت له المسألة ) )بشرط أن يترك الا لحاح والتغليظ في الخطاب (( حتى يصيبها ) )الضمير المنصوب فيه عائد إلى ما حصل له من المسألة وهي الصدقة ويجوز أن يعود إلى الحمالة (( ثم يمسك ) )أي: يدفع نفسه من المسالة (( ورجل أصابته جائحة ) )أي: آفة [3] (( اجتاحت ماله ) )أي: أهلكته (( فحلت له المسألة حتى يصيب قواما ) )بكسر القاف ما يقوم به الشيء [4] (( من عيش أو قال(56/ب) سدادا من عيش ))هذا شك من الراوي. السداد بكسر السين ما يسد به الحاجة [5] (( ورجل أصابته فاقة ) )أي: فقر (( حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا ) )أي: العقل (( من قومه لقد أصابت فلانا فاقة ) )قيد بقوله من قومه لإنهم هم العالمون بحاله (( فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة ياقبيصة سحتا ) )وهو الحرام الذي يلحق آكله منه عار ولذلك غلب في الرشى [6] .
قال النووي: هكذا في جميع النسخ ورواه غير مسلم سحت، وهذا أوضح وفي رواية مسلم يحتاج إلى إضمار [7] أي: اعتقده سحتًا (( يأكلها صاحبها سحتا ) )بدل من الضمير في يأكلها
أو تمييز الجملة صفة لسحتا وإرجاع الضمائر المؤنثة إليه على تأويل الصدقة وفائدة هذا التوصيف إنه حرام في إعتقاد صاحبه كما قال تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [8] يعني في اعتقادهم.
كذا وقع في كتاب مسلم (حتى يقوم) والصواب (يقول) وكذا اخرجه أبو داود باللام [9] ،عجبًا من المصنف أنه بادر إلى تخطئة لفظ يقوم.
وقد قال النووي في شرح صحيح مسلم يقوم هكذا أوقع في جميع نسخ مسلم وهو صحيح أي: يقوم ثلاثة قائلين لقد اصابته فاقة، قال قوم: الثلاثة شرط في اثبات الاعسار نظرًا إلى ظاهر الحديث [10] .
وقال الجمهور: شهادة عدلين كافية فحملوا الحديث على الاستحباب [11] .
وقال القاضي: لعله أراد بقوله ثلاثة أن يصل إعساره إلى حد الاشتهار المراد بها هنا الجماعة أو نفس العدد [12] .
فإن قلت: ما معنى الحصر في الحديث والمسألة تحل لغير الثلاثة المذكورة كمن لا يقدر على كسب لكونه زمنا أو ذا علة أخرى جاز له السؤال بقدر قوت يومه.
قلنا: المعنى أن المسألة لا تحل لمن كان معروفًا بالمال الا أن يتحمل حمالة فتجوز له المسألة مع كونه غنيًا أو يهلك ماله بآفة سماوية فتجوز له المسألة من غير بينة لكونه أمرًا ظاهرًا أو يدعي هلاكه بسبب خفي فالمسألة تجوز له بعد أن يخبر به جماعة من قومه وأما من كان قادرًا على الكسب فتركه لاشتغال العلم جاز له الصدقة فإن تركه لاشتغال التطوع يكره له صدقة التطوع [13] .
(( خ جابر رضي الله عنه ) )روى البخاري عنه [14] .
قال: كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يأتي قومه بني سلمة فيؤمهم فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء [15] ثم أتى قومه [16] فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فصلى وحده فقالوا له أنافقت قال: لا ولكني آتى رسول الله فأتاه فأخبره بما جرى وقال إنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فقال صلى الله عليه وسلم: (( يا معاذ أفتان أنت ) )الفاتن المضل ومنه قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [17] عبر عنه بالفتان تشديدًا في الإنكار عليه الاستفهام فيه للتوبيخ والتنبيه على كراهة صنيعه لأنه افضى إلى مفارقة الجماعة [18] ... (( ثلاثًا ) )
قال النووي: هذا اللفظ غير مذكور في صحيح مسلم وإنما هومن لفظ الراوي [19] يعني ناداه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات ثلاث مرات (( إقرأ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [20] {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [21] ونحوها: قاله له
(1) في (( جـ ) )كتبت بعد (( أسأله ) )كلمة (( المسئلة ) )وفي (( ب، د ) )ما ثبتناه.
(2) تفسير غريب مافي الصحيحين (1/ 497) .
(3) تفسير غريب مافي الصحيحين (1/ 80) .
(4) النهاية في غريب الاثر (4/ 124) .
(5) النهاية في غريب الاثر (2/ 353) .
(6) مرقاة المفاتيح (4/ 300) .
(7) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 134) .
(8) سورة آل عمران:21.
(9) ينظر: سنن أبي داود كتاب الزكاة /باب ما تجوز فيه المسألة (1640) (2/ 120) وأخرج الحديث بلفظ (حتى يقول)
(10) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 133 - 134) .
(11) ينظر: شرح فتح القدير للسيواسي (2/ 266) , والإستذكار لابن عبد البر (8/ 608 - 610) والمجموع للنووي (6/ 181 - 182) والمغني لابن قدامة المقدسي (4/ 291 - 292)
(12) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (كتاب الزكاة /باب من تحل له المسألة) (3/ 577)
(13) مرقاة المفاتيح (4/ 301) .
(14) رواه البخاري (( 705 ) ) (( ص235 ) )كتاب الأذان باب (( من شكا إمامه إذا طوَّل ) )
(15) في (( ب ) )سقطت، وفي (( جـ، د ) )ما ثبتناه.
(16) في (( د ) )كتبت بعد (( قومه ) )العبارة الآتية (( بني سلمة ) )
(17) سورة الصافات:162.
(18) مرقاة المفاتيح (2/ 519) .
(19) شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 183) .
(20) الشمس:1
(21) الأعلى:1