فهرس الكتاب
رسول الله وهل يأتي الخير بالشر )) هذا استفهام انكار ارادوا به ان ما حصل لنا من الدنيا فهو خير لامحالة ولا يترتب عليه شر (( قال لايأتي الخير الا بالخير لا يأتي الخير الا بالخير لا يأتي الخير الا بالخير ) )كررها ثلاث مرات لينقمع ما في خاطرهم من الاشتباه يعني ان الخير الحقيقي لا يأتي الا بالخير ولكن هذه الزهرة ليست بخير حقيقي بل هو مفض إلى شر لأنها تشغل عن كمال الاقبال إلى الآخرة ثم ضرب صلى الله عليه وسلم لهذا مثلا بقوله [1] (( ان كل ما ينبت الربيع ) )من النباتات فصله عما قبله لكونه استئنافا جوابا عمن قال ان الخير إذا لم يأت الا بخير فعلام الخوف (( يقتل الحيوان ) )الذي اكله (( أو يلم ) )أي يقاربه من الهلاك (( ويروي يقتل حبطا ) )بالحاء المهملة وفتح الباء مصدر وهو ان تفرط الدابة في الاكل حتى ينتفخ (79/أ) بطنها ولا يخرج مما فيه شئ [2] وهو نصب على التمييز (( او يلم الا آكلة ) )بمد الهمزة أي الدابة التي تأكل (( الخضر ) )وهو بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين نوع من البقول غير جيد فلا تأكله المواشي كثيرا [3] هذا استثناء مفرغ من المثبت فانه جائز إذا صلح المقام للعموم كما في قرأت الا يوم الجمعة وهنا كذلك (( فإنها تأكل ) )أي الدابة تأكل الخضر (( حتى إذا امتدت خاصرتاها ) )يعني شبعت (( استقبلت الشمس ثم اجترت ) )بتشديد الراء أي اخرجت الجرة وهي مايخرجها البعير من بطنه ليمضغها ثم يبلعها [4] (( وبالت وثلطت ) )أي القت الثلط وهو الرجيع الرقيق (( ثم عادت فاكلت ) )بيان ضرب المثل هو ان ماينبته الربيع يقتل الدواب او يقربها إليه وذلك لأنها لما رأت نبتا خضرا زينت لها الشهوة البهيمية انه خير نافع فزادت في الاكل من غير نظر إلى عاقبته فهلكت فكذا من يجمع المال ويلتذبه ولا ينظر إلى اختلال آخرته فيهلك هذا للظالم المفرط في جمع الدنيا. (اعلم) :ان قوله (الا اكله الخضر) ضرب مثل للمقتصد لأن المواشي لا تستكثر منه إذا اكلت وشبعت تتوخى ازالة ذلك ودفع مضرته بالثلط والبول وغيرهما فكذا من اقتصد في أخذ الدنيا ولم يمسك ماأخذها واخرج الحق منها ينتفع بها وينجومن وبالها ولك ان تعرف ان ههنا صنفا آخر وهو ان تاكل الدابة من الخضر مقدار ما يسد جوعها ولا تشبع منه حتى تحتاج إلى دفعها فذلك مثل السابق بالخير الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة وإنما لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في بيان ما يخاف على امته ولاخوف في هذا الصنف [5] (( ان هذا المال خضرة ) )تأنيثه على تأويل ان العيشة بالمال خضرة ويروي خضر وهو ظاهر (( حلوة فمن أخذه بحقه ) )أي بقدر حاجته من الحلال (( ووضعه في حقه ) )أي في محل الأنفاق (( فنعم المعونة هو ) )لكسب الآخرة (( ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) )وهذا مرض عظيم ومصيبة جسيمة وفي هذا المعنى قيل بيتان
إذا قنعت نفسي بايسر بلغة ... من المال تكفيني إلى يوم تكفيني
وان هي لم تقنع فتلك مصيبة ... اصبت بها في المال والعقل والدين [6]
(اعلم) . ان قوله صلى الله عليه وسلم (ان هذا المال) إلى آخره زيادة توضيح والا فمعناه كان معلوما مما تقدم بتلويح
(1) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 141 - 143) .
(2) ينظر: النهاية في غريب الأثر (1/ 331) .
(3) ينظر: النهاية في غريب الأثر (2/ 40) .
(4) ينظر: الفائق في اللغة (2/ 42) .
(5) ينظر: مرقاة المفاتيح (15/ 48 - 54) .
(6) لم أقف على قائل هذين البيتين.