الصفحة 19 من 27

وأنت إذا قرَأتَ ما ذُكِر في كتب التراجم والأدب عن أبي الأسود لتمثَّلت رجلًا حكيمًا فصيحًا ذكيًّا نابغة موفَّق الرأي، وهذه هي الصفات العالية التي سمتْ به إلى أنْ يكون الواضع الأوَّل لأجلِّ العلوم العربيَّة التي ضبطت اللسان وأبقَتْه حيًّا إلى يوم الناس هذا، وحفظت القُرآن من لحن اللاحِنين، ونفتْ عنه تحريفَ الغالين وانتِحال المُبطِلين.

حمَل علمَ النحو عن أبي الأسود جماعةٌ، يُعَدُّون في الطبقة الأولى من طبقات النُّحاة واللغويين، وسنَذكُر أشهرَهُم ونُتَرجِمُ لهم تراجمَ مختصرةً.

كان أبوه"معدان"رجلًا من أهل ميسان، قدم البصرة وأقام بها، واستَعمَلَه عبدالله بن عامر على فيلٍ كان له فسُمِّي"معدان الفيل"، ولَمَّا نشَأ عنبسة لزم أبا الأسود، وعلم من عِلمه وروَى الشعر واجتهد فبرع، قال أبو عبيدة معمر بن المثنَّى:"اختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلَّمون منه العربيَّة، فكان أبرع أصحابه عنبسة بن معدان المهري، واختَلفَ الناس إلى عنبسة فكان أبرعَ أصحابِه ميمون الأقرن".

ولم نصلْ إلى تاريخ مولد عنبسة هذا ولا وفاته، ولكنَّه لقي الفرزدق وجريرًا، فلعلَّ وفاته كانت في حُدود المائة الأولى من الهجرة قبلها بقليلٍ أو بعدها.

لم نظفَرْ له بعدُ بترجمةٍ يصحُّ الاعتمادُ عليها، مع أنهم زعَمُوه أوَّلَ مَن وضع علم النحو.

قال السيوطي: إنَّه أخَذ النحو عن يحيى بن يعمر، وقال ابن الأنباري:"قرأ القُرآن على أبي الأسود، وقرأ أبو الأسود على عليٍّ - رضِي الله عنه - فكان أستاذَه (يعني: أبا الأسود) في القراءة والنحو".

وهذا هو الأرجح؛ إذ إنَّ نصرًا هذا معدودٌ فيمَن روَى عن عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - فأخْذُه النحوَ عن أبي الأسود أشبَهُ من أخْذه النحو عن يحيى بن يعمر، وذكروا أنَّ وفاته كانت في زمن الوليد بن عبدالملك، واختلَفُوا ما بين تسعٍ وثمانين وتسعين.

وكان نصرٌ فقيهًا، وقارئًا مجيدًا، عالمًا بالعربيَّة، فصيح اللسان واضح البيان، قال عمرو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت