وسلَّم: (( ما مِنْ أحدٍ من أصحابي إلاَّ مَن لو شِئتُ لأخذتُ عليه عيبًا(1) ، ليس أبا الدَّرداء ))، فقال سيبويه: (( ليس أبو الدَّرداء ) )، فقال له حَمَّاد:"لحنْتَ يا سيبويه؛ ليس أبا الدرداء"، فقال:"لا جرم، لأطلُبَنَّ علمًا لا تُلحِّنني فيه أبدًا"، فطلبَ النَّحو، ولزم الخليلَ بن أحمد.
وكانت في لسان سيبويه لكنةٌ؛ وذلك لأنَّ أصله من البيضاء بأرض فارس، ونشأ بالبصرة، ولَم يُعمَّر أكثر من أربعين، وانتقل في آخِر أيَّامه إلى الكوفة؛ لِمُناظرة الكسائيِّ - وأمرُها مشهور - ثم رحَل إلى شيراز، ومات بها سنة 180 تقريبًا، ونقتصرُ على هذا مِن ترجمة هذا الإمام الجليل؛ فقد مضى ذِكرُه في ترجمة الخليل، وليس في الوقت سعَة.
رأيتَ فيما مضى أنَّ النُّحاة جميعًا إنَّما نَشؤوا بالبصرة، وكَثُروا فيها وكانوا أئمَّة العربية في زمانهم، وما نشأ النَّحوُ في الكوفة وكان مذهبًا ضعيفًا إلاَّ في أيَّام الخليل بن أحمد؛ وذلك لأنَّ البصرة أقدَمُ بناءً من الكوفة، وكان بها من صفوة الناس وأذكيائهم وعُلَمائهم من لَم يكن مثلهم بالكوفة؛ ولذلك تأخَّر ظهورُ علم النَّحو بها مدَّة طويلة.
واعلم أنَّ الخِلاف المشهور بين الكوفيِّين والبصريين لم يُحقَّق بعدُ تحقيقًا وافيًا شافيًا، وليس يمكن أن يُحدَّد في كلمةٍ قصيرة موجزة كهذه؛ فنَكْتفي بالإشارة إلى وجود هذا الخِلاف ونشأته، وننتقل إلى ذِكْر الطَّبقة الأولى والثانية من علماء الكوفة، ونختمُ الكلام بهذا، والله المستعان.
شيخُ هذه الطبقة من أهل الكوفة هو"محمد بن الحسن بن أبي سارة"الملقَّب بالرُّؤاسي؛ لعِظَم رأسه، كان في زمن الخليل بن أحمد، وزعموا أنَّه أوَّل مَن وضع من الكوفيِّين كتابًا في النحو، وزعموا أنه قال:"بَعث إلَيَّ الخليل يطلب كتابي، فبعثت به إليه، فقرأه ووضَع كتابه"، وزعموا أنَّ كلَّ ما في كتاب سيبويه من قوله"قال الكوفِيُّ"، فإنَّما يعني به الرؤاسيَّ؛ ولكن ممَّا لا شكَّ
(1) في"معجم الأدباء": (( لأخَذتُ عنه عِلمًا ) )، ومعنى الحديث على هذه الصُّورة فاسدٌ باطلٌ، وقد بَحَثْنا عن هذا الحديث فلم نَجِدْه، وتوهَّمْنا أن الصواب: (( لأخذت عليه عَيْبًا ) )؛ ليستقيم المعنَى، وقد ورد مثلُ هذا الحديث في المعنى بشأن أَبِي عُبيدة بنِ الْجَرَّاح، وفيه هذا اللَّفظ.