العربيَّة، اكتسبَ الفَصاحة من ثقيف، ثم نزل البصرةَ، فأخذ النَّحو عن عبدالله بن أبي إسحاق، ولَم نَجِدْه أخذَ النَّحو عن أحدٍ من نُحاة الطَّبَقة الأولى، ولكنَّه برع وبُرِّز في عهد أبي عمرٍو، ومات قبْلَه بخمس سنوات - أيْ: سنة 149 في خِلافة المنصور - وعنه وعن أبي عمرٍو صدرَت الطبقةُ الثالثة من أهل العربيَّة، وذكر المُبَرِّد أنَّ عيسى أخَذ النحو عن أبي عمرِو بن العَلاء أيضًا.
قال ابنُ الأنباريِّ:"كان ثقةً عالِمًا بالعربيَّة والنحوِ والقراءة، وقراءتُه مشهورة".
قال أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام:"كان من قُرَّاء البصرة، وكان عالِمًا بالنَّحو، غير أنَّه كان له اختيارٌ في القراءة على مذاهب العربيَّة، يُفارق قراءة العامَّة، ويستنكرُه الناس، وكان الغالب عليه حبُّ النصب إذا وجَد لذلك سبيلًا، منه:"حَمَّالةَ الحطب"،"الزانيةَ والزاني"،"والسارقَ والسارقة"،"هنَّ أطهرَ لكم"."
أقول: وهذا عجيبٌ من عيسى بن عُمر، ولكنه كان يتَقعَّر في كلامه على فصاحته، فلا عجَب، ونوادرُه في ذلك كثيرة؛ كقوله - لَمَّا ضربه يوسفُ بن عمر بنِ هبيرة في طلب ثِيابٍ استَوْدَعها عنده خالدُ بن عبدالله حين إمارته على العراق:"إن كانت إلاَّ أُثَيَّابًا في أُسَيْفاط قبَضَها عَشَّاروك"، وكان عيسى ضريرًا.
وأخَذ النَّحوَ عن عيسى بنِ عمر الخليلُ بن أحمد، ولعلَّ سيبويه لَقِيَه وأخَذ عنه أيضًا.
أجَلُّ شيوخ هذه الطَّبَقة رَجُلان: أحَدُهُما حَفِظَ عِلم الأوائل من النُّحاة، وأخذه النَّاس عنه وهو يونسُ بن حبيب البصريُّ، والآخَر حَفِظَ علم الأوائل، وبرع في العربيَّة، وجدَّد علم النَّحو بما أُوتِي من قوَّة العقل، وعلُوِّ الذَّكاء، ومنه نبَع سيبويه، فسَقى النَّحو حتَّى أخصَبَتْ أرضُه، ونَما نباتُه، وهو الخليلُ بن أحمد، شيخُ الشُّيوخ جميعًا.
وُلِد يونسُ سنة تسعين، وأخذ النَّحوَ عن شيوخ الطَّبقة الثانية، فبَرع وتفرَّد بمذاهِبَ في النَّحو والقياسِ، وعقدَ حلقةً بالمسجد الجامع بالبصرة يَنْتابُها أهل العلم والأدَب، وفُصحاءُ الإعرابِ والبادية، وأكثرَ سيبويهِ في كتابه من الرِّواية عن يُونس، وكان مِن عُقَلاء الرِّجال، تَخرَّجَ عليه كثيرٌ من اللُّغويِّين والنُّحاة؛ كالأصمعيِّ، وعليِّ بن حمزة الكسائي، وأبي زكريا الفَرَّاء، وكثيرٌ من أهل العلم في عصر الرشيد، وعُمِّر يونسُ ومات في خلافة هارون الرشيد سنة 183.