الصفحة 8 من 27

قال شيخُنا أبو الفتح عثمان بن جني:"حضرَنِي قديمًا بالموصل أعرابيٌّ عقيلي جوثي تميمي يُقال له: محمد بن العساف الشَّجري، وقلَّما رأيت بدَوِيًّا أفصحَ منه، فقلت له - شغفًا بفصاحته، والتِذاذًا بِمُطاوَلته، وجريًا على العادة معه في إيقاظ طَبعِه، واقتِداح زَند فطنته: كيف تقولُ:"أكرَمَ أخوك أباك"فقال: كذاك، فقلت له: أفتقول:"أخوك أبوك؟"فقال: لا أقول:"أبوك"أبدًا، قلت: فكيف تقول:"أكرمني أبوك"؟ فقال: كذاك، قلت: أفلَسْتَ تزعُم أنَّك لا تقول:"أبوك"أبدًا؟ فقال: إيش هذا! اختلفت جهتا الكلام ... فهل قوله:"اختلفت جهتا الكلام"إلا كقولنا نحن:"هو الآن فاعل وكان في الأوَّل مفعولًا"، فانظُر إلى قِيام معاني هذا الأمرِ في أنفُسِهم وإن لم تطعْ به عِبارتهم."

وقال شيخُنا - رحمه الله: وسألتُ الشجريَّ صاحبَنا هذا الذي قد مضَى ذِكرُه قلتُ له: كيف يا أبا عبدالله تقول:"اليوم كان زيد قائمًا"؟ فقال: كذلك، فقلت: فكيف تقول:"اليوم إنَّ زيدًا قائم"فأباها البتَّة، وذلك أنَّ ما بعد"إن"لا يعمَلُ فيما قبلها؛ لأنها إنما تأتي أبدًا مستقبلة قاطعة لما قبلها عمَّا بعدها وما بعدها عمَّا قبلها.

وقلت له يومًا ولابن عَمٍّ له يُقال له:"غصن"- وكان أصغر منه سنًّا وألين لسانًا: كيف تحقران"حَمْراء"فقالا:"حُمَيراء"قلت: فـ"صَفْراء"؟ قالا:"صُفَيراء"، قلت: فـ"سَوْداء"قالا:"سُوَيداء"واستمررت بهما في نحو هذا، فلمَّا استويا عليه دسَسْت بين ذلك"علباء"؛ فقلت:"فعلياء"؟ فأسرع ابن عمه على طريقته فقال:"عُلَيباء"وكاد الشجري بقولها معه، فلمَّا همَّ بفتح الباء استرجع مستنكرًا فقال:"إه عليبى"وأشمَّ الضمة رائمًا للحركة في الوقف، وتلك عادةٌ له.

قال ابن جنِّي: وسألته يومًا: يا أبا عبدالله، كيف تجمعُ محرنجمًا؟ وكان غرضي من ذلك أنْ أعلم ما يقوله؛ أيُكسِّر فيقول:"حَراجم"أم يُصحِّح فيقول:"محرنجمات"؟ فذهب هو مذهبًا غير ذَيْنِ فقال: وإيش فرَّقَه حتى أجمعَه! وصدَق؛ وذلك أنَّ المحرنجم هو المجتمِع.

يقولها مرارًّا على شَكِيمته غير مُحِسٍّ لما أريدُه منه، والجماعة معي على غاية الاستِغراب لفَصاحته ...

قلت له: فدَعْ هذا؛ إذا أنت مَرَرْتَ بإبلٍ محرنجمة وأخرى محرنجمة وأخرى محرنجمة تقول: مررت بإبل ماذا؟ فقال - وقد أحسَّ الموضع: يا هذا، هكذا أقول:"مررت بإبلٍ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت