الصفحة 7 من 27

وأجوائها وتغيُّر طبائع الناس وعاداتهم وحاجاتهم تبعًا لتغيُّر أرضهم ومنازلهم، استمرَّت الحال على ذلك حتى استَقرَّت بعض اللغات على طرازٍ خاص؛ إذ ضُبِطت بالقواعد والأصول التي نُسمِّيها على النحو وعِلم الاشتقاق والصَّرف وعلم البيان.

ولعلَّك تعرفُ ممَّا مضى أنَّ النحو والاشتقاق والبَيان هي من اللغة بمنزلة مُفرَداتها (1) ؛ إذ كانت مرتبطة بها في تدرُّجها وارتقائها أو ضعفها وانحِطاطها، فلو أنَّك أردت أن تستغني مثلًا عن الحركات التي سميت فيما بعدُ حركات الإعراب في لغةٍ من اللغات لكان لِزامًا عليك أنْ تُدخِل التغيير والتبديل في مفردات اللغة نفسها وفي اشتقاقها وصَرفها وأساليب بيانها، أمَّا أنْ تتَّخذ مفردات لغةٍ من اللغات وتزوي وجهك عن حركات إعرابها وأساليب بيانها وطرق اشتقاقها وصرفها؛ استجلابًا لسهولة استعمالها وسرعة ذيوعها - فهذا قتلٌ لكلتيهما، وإفسادٌ في طبيعة الأشياء لا يقرُّه عقل ولا يُجاريه منطق.

وقد كتبنا هذه الكلمة - على قصرها واتِّساع ميدان الكلام في أغراضها - لنتقدَّم بالكلام عن نشأة النحو في العربيَّة، فلو أتاحَتْ لنا الأيَّام بعد استِيفاء الكلام كله في هذا الأصل أصدرنا - بعون الله - كتابًا مستقلاًّ بنفسه لا نَدَعُ فيه كلمةً للرأي إلا قُلناها، وعرَّفنا المبتدعة مكانَ النحو والاشتقاق والبيان من اللغات، وفتحنا طريقًا لمعرفة سرِّ الإعراب في العربيَّة، وأَبَنَّا عن معاني الحركات الأربعة في مَواقعها من الكلام العربي، والله المستعان.

(1) أوَّل مَن نظر في العربية هذا النظر، وشرع في تفصيله والكلام عنه، هو الإمام الجليل أبو الفتح عثمان بن جني، ولكنَّه أدمج القول فيه إدماجا يتعذر معه لطالب هذا العلم أنْ يدرك مبهماته وخوافيه، وأنْ يلقي الشبهات التي تكتنفُ تفكيره جانبًا، ومع هذا فهو أشتات في كتبه لم يجمعها باب قائم بنفسه يكون أهدي للقارئ وأقوم عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت