الصفحة 25 من 27

وتَعفُّفه؛ فكان يَمْتنعُ على الأمراء والحكَّام، ولا يَبْتذِل نفسه بالتردُّد عليهم (1) ، فكان ذلك سببًا في انقطاعه للعلم، والتبحُّر فيه، والتوسُّع في فُروعه مدَّةً طويلة من حياته، حتَّى نبغَ وفاق أهل عصره؛ عِلمًا وأدبًا، ووَرعًا وخُلقًا، وصَفَه مَن رآه فقال:"كان الخليلُ رجلًا صالِحًا عاقلًا، حليمًا وَقورًا"، وقال النَّضرُ بن شُمَيل: سمعتُ الخليلَ يقول:"إنِّي لأُغلق عليَّ بابي، فما يُجاوِزُه هَمِّي"، وهذا هو خُلق العلم؛ فتدبَّر هذه الكلمة تَعْرفْ كيف نبَغ الخليلُ وبرَع، ثُم تدبَّر هذه الكلمة الحكيمةَ قال:"لا يَعلم الإنسانُ خَطأ مُعلِّمه حتَّى يُجالِسَ غيرَه".

لفَّ هذه الطبقةَ كلَّها تحت جناحَيْه"النَّسرُ النَّحْويُّ"سيبويه، شيخُ النُّحاة في عصره وما بعدَ عصرِه، والبحر الذي أمدَّ عُلوم العربيَّة حتَّى زخرَتْ وتَلاطمَت، قال الجاحظُ:"لَم يكتُب النَّاسُ في النَّحو كتابًا مثله، وجميعُ كتب النَّاس في النَّحو عِيالٌ عليه".

كان أوَّل أمرِ سيبويه في طلب العلم أنَّه كان يطلُب علم الآثار والفقه، ولَم تكنْ له عنايةٌ بالنَّحو، ولعلَّ ذلك كان وسنُّه إذْ ذاك ما بين العشرين إلى الثَّلاثين، وكان يطلب الحديث من حَمَّاد بن سلمة بن دِينار البصريِّ المُحدِّث الفقيه النَّحوي، فقال حمادٌ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه

(1) كان للخليل - رحمه الله - راتبٌ على سليمانَ بنِ حبيب بن المُهلِّب بن أبي صُفْرة، وكان والِيَ فارس والأهواز، فكتب سليمانُ إلى الخليل يستَدعِيه، فأجابه الخليل:

أَبْلِغْ سُلَيْمَانَ أَنِّي عَنْهُ فِي سَعَةٍ * * وَفِي غِنًى غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ ذَا مَالِ

شُحًّا بِنَفْسِيَ .. إِنِّي لاَ أَرَى أَحَدًا * * يَمُوتُ هَزْلًا، وَلاَ يَبْقَى عَلَى حَالِ

الرِّزْقُ عَنْ قَدَرٍ؛ لاَ الضَّعْفُ يَنْقُصُهُ * * وَلاَ يَزِيدُكَ فِيهِ حَوْلُ مُحْتَالِ

وَالفَقْرُ فِي النَّفْسِ لاَ فِي الْمَالِ نَعْرِفُهُ * * وَمِثْلُ ذَاكَ الغِنَى فِي النَّفْسِ لاَ الْمَالِ

فقطع عنه سليمانُ راتِبَه، فقال الخليل:

إِنَّ الَّذِي شَقَّ فَمِي ضَامِنٌ * * لِلرِّزْقِ حَتَّى يَتَوَفَّانِي

حَرَمْتَنِي مَالًا قَلِيلًا فَمَا * * زَادَكَ فِي مَالِكَ حِرْمَانِي

فبلغَت الأبياتُ سُليمان، فكتب إلى الخليل يَعتذر إليه، وأضعفَ له راتِبَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت