"مرحبًا بزائرٍ لا يُمَلُّ"، قال أبو عمرٍو المخزوميُّ - وكان كثيرَ المُجالسة للخليل:"ما سمعتُ الخليلَ يقولُها لأحدٍ إلاَّ لسيبويه".
ولا شكَّ أنَّ سيبويه كان في ذلك الوقتِ شابًّا لَم تُنهِكه الأيامُ والمصائب، وكان الخليلُ قد أسنَّ، فأراد أنْ يُلقي علمه إلى مَن يَزْكو عنده ويَنْمو، فألقاه إلى سيبويه، فأخرج منه"الكتاب" (1) ، وهذه الكلمةُ لا تَكْفي لتحقيق القول في أمر الخليل وكتاب سيبويه، فنُؤجِّلها إلى أوسعَ مِن هذه وأَبْرَح.
ونحن لا نعلمُ كثيرًا عن مَنشَأ الخليل إلاَّ أنَّه وُلِدَ بالبصرة سنة مائة من الهجرة، وعُمِّر فبلغ أربعًا وسبعين سنةً، والذي يُفهم من تراجم هذا الإمام أنَّه تلقَّى العلم صغيرًا، وانقطع له، وعُنِي به، فلم يُبالِ بغيره، ولَم يَطلب الرِّزق بعِلْمه؛ لِما كان من وَرَعِه، وطولِ صبره على المَكاره، وشدَّة إبائه
(1) وقد رَوى ياقوت في"مُعجَمِه"قال:"قيل ليونس بن حبيب: إنَّ سيبويه قد ألَّف كتابًا في أَلْف ورقة مِن علم الخليل، قال يونس: ومتَى سمع سيبويه هذا كلَّه من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلمَّا نظَر فيه رأى كلَّ ما حكى (عنه) "يعني: ما حَكى سيبويه عن يونس"، فقال: يَجِب أنْ يكون هذا الرَّجلُ قد صدَق عن الخليل في جميع ما حكاه، كما صدَق فيما حكاه عنِّي"، فهنا ترى الدليل على أنَّ أكثر كتاب سيبويه من عِلم الخليل وأدبِه، وهذا هو المعقول؛ لأنَّ سيبويه لَم يُعمَّرْ أكثر من أربعين سنةً، وقد جَمَع في كتابه هذا أصولَ النحو كلَّها، إلاَّ ما ندرَ من شيءٍ، وهذا عملٌ لا يَكادُ يُوفَّقُ إليه رجلٌ وحدَه، إلاَّ مستعينًا برجلٍ قد امتلأ عِلمًا، أو جماعةٍ قد أفرَغوا أنفسهم لِهذا وحدَه، والذي يدلُّ على أنَّ هذا الكتاب من عِلم الخليل، لا من عِلم جماعة: أنَّ الخليل كان إذا تكلَّم في شيءٍ من النحو مِمَّا استنبطَه هو لم يفهمْ ما يقول أحدٌ من نُحاة عصره! وهذا الأخفش النحويُّ الجليل البارع يُحدِّث فيقول:"حضَرْتُ مجلس الخليل، فجاءه سيبويه، فسأله مسألةً، وفسَّرَها له الخليل، فلم أفهمْ ما قالا، فقمتُ وجلست له في الطريق، فقلت:"جعَلنِي الله فداءك! سألتَ الخليل عن مسألةٍ، فلم أفهمْ ما ردَّ عليك، ففهِّمْنِيه فأخبَرَنِي بها، فلم تقعْ لي ولا فَهِمتُها، فقلتُ له: لا تتوهَّمْ أنِّي أسألُكَ إعناتًا، فإنِّي لم أفهَمْها، ولَم تَقعْ لي، فقال لي: ويلك! ومتَى توهَّمتَ أنِّي أتوهَّم أنَّك تُعنِّتُنِي؟ ثُم زجَرَني وتركَنِي، ومضى"."
فالخليل كما ترى هو الذي وضع للنَّحو أبوابه وأقسامَه وإصلاحه الَّذي نراه في كتاب سيبويه؛ فإنَّ سيبويه تلميذَ الخليل لَم يأخُذ النَّحو إلاَّ عنه، وزاد على ذلك أنَّ الخليل منَحَه ما وضَع للنَّحو من أبوابٍ وأقسام واصطلاح، حتَّى إنَّ مُعاصِريه الذين أخَذوا النَّحو عن الخليل لَم يفهموا ما كان يدور بينه وبين الخليل من الكلام في النَّحو، وهذا بابٌ عظيم في تحقيق كتاب سيبويه، نستَوفِيه بعدُ في كتابنا عن العربيَّة - إن شاء الله تعالى.